حين نظلم نيرون

حين نظلم نيرون
حين نظلم نيرون

في العام 37 قبل الميلاد، ولِد التاريخ الأسود الذي دمغ الأيام بوصمةٍ من وصمات العار، صافعاً وجه الإنسانية بقبضةٍ من حديد فهشّمّهُ. إنه نيرون روما، والذي لا يخفى من هو، هذا القاتل المريض الذي تغشّاه الجنون بطغيان لم يسبق له من وجود، غير أن الأقدار ساقت إلى القادم من الأيام (وبعد آلافٍ من السنين مرت) مثيلاً أو أخاً له إذا صحّ التعبير. هذا الطاغوت صاحب التاريخ الأسود، والذي لطالما مدحت أداءه زوجته أوكتافيا، فيما كان يهوى من ممارسات جنونية، إلا أنه قتلها في النهاية، إذ مدحته حينما كان يؤدي مسرحيةً، ويحمل في يده صولجاناً، فسقط من يده، فمدحت أداءه، ثم قالت له "لو أنك لم تُسقِط الصولجان" فقتلها. كما أنّ هوسه وجنونه الهيستيري، قاده لأن يتخيّل إعادة بناء روما، وذلك ما يحتاج لهدمها أولا، فأحرقها ومات بحريقها الآلاف، حيث أحرق من أحيائها الأربعة عشر عشرة أحياء، وهو جالس في برج عالٍ يتأمل منظر الحريق بنشوةٍ لكأنه يرنو إلى حلمٍ يتحقق.
ثم إنه اتخذ من المسيحية الجديدة في روما كبش فداءٍ لحصيلة جنونه، فاتهمهم بما فعل، مكذّباً الشعب رغم رؤيتهم لما فعل، ولا ننسى أنه تجنّب اليهود باختياره ضحيةً لما فعل، لأنهم كانوا تحت حماية زوجته الثانية "بوبياسبينا". وعلى التوازي مع تلك الحقبة وأرباب الاستبداد السائد فيها، نجد أنّ سورية صارت اليوم أوكتافيا، حينما قالت لنيرونها "لو أنك لم تُسقِط الصولجان"، متمثلةً بكلمةٍ واحدة فقط هي الحرية، طلبناها فكانت النتيجة ما تراه أعيننا كل يوم من قتل وحرق وتهجير.
بين نيرون الحاضر ونيرون الماضي تقاطعات كثيرة، فنيرون الأب قتل لأجل كلمة، والابن كذلك. لكن قتلى الابن أضعاف قتلى الأب الذي أحرق مدينة بجنونه، فيما الابن أحرق مدناً بكاملها.
والمسيحية الجديدة في روما التي اتخذها نيرون الأب كبش فداء لجريمته، هي ذاتها التي اتخذها ابنه اليوم، لكن بحلَّةِ جديدة ومسميات مختلفة، أبرزها "الإرهاب". هذه الكلمة التي اتخذها نيرون سورية محجّةً للقتل والتجويع والحصار والجريمة.
هذا القاتل الأعمى، هدم سورية على رؤوس من فيها، ودخل التاريخ من أوسع أبوابه بالذريعة التي يقتل لأجلها، فقد صارت محاربة الإرهاب والحفاظ على الأمان، متمثلة بالقصف المستمر للمدن والبلدات وقتل المدنيين العزّل وحصار من بقي على قيد الحياة ليموت جوعاً.
عذراً نيرون إذ ساويناك ببشار الأسد، وسميناه باسمك، فهو على الرغم من القواسم المشتركة بينكم، إلا أنه قد تجاوز ما فعلته بكثير، ما قد يجعلك تبكي لو كنت حياً ترى ما يراه العالم اليوم. وفي تصنيف بسيط للأزمة السورية بمقياس المشاهد الإعلامية، يمكن أن أرتِّب مراحل الاستبداد وتداعياتها على الشعب السوري، بمشهد طفل في حمص المحاصرة يسأله المراسل: ماذا تشتهي الآن؟ فأجابه: أشتهي خبزاً ولحماً! وقال آخر: أشتهي خبزا وسكت. ثم بعدها بقليل، قال آخر: أشتهي ماءً. وفي النهاية، صار السوريون كلهم يشتهون حياةً فقط، حتى صاروا يتسولونها على أرصفة المنفى.
عذرا منك نيرون فقد ظلمناك.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى البستنة إسرائيلياً