أخبار عاجلة
سبيس إكس تطلق صاروخ فالكون مع 24 قمرًا صناعيًا -
دو تجري أول مكالمة فيديو عبر شبكتي LTE و 5G -
DJI تنفي جمع وإرسال البيانات إلى الصين -
شركات الإنترنت مطالبة بالإفصاح عن قيمة البيانات -
فيديكس تقاضي الحكومة الأمريكية بسبب مهمة مستحيلة -

حكايات عن سرقات الرحابنة

حكايات عن سرقات الرحابنة
حكايات عن سرقات الرحابنة

قال لي صديقي: والله إن الإنترنت يُسَلّي الإنسانَ أكثر مما يسليه ربع كيلو من بذور عباد الشمس المُمَلَّحَة. في الإنترنت، لا يقيم أحدٌ وزناً لأحد، ولا توجد فيه، على قولة المَثَل، لحية مُمَشَّطَة. مثلاً؛ أنت تعرف أغنية "سمرا يا أم عيون وساع"؟ قلت: أعرفها بالطبع، وهي من أغانيَّ المفضلة. قال: كل الناس يعرفون أنها للأخوين الرحباني وفيروز.. ومع ذلك، هناك من زعم أن مؤلفها الحقيقي هو الشاعر الزجال أبو علي زين شعيب. ولكي يقنعوك بهذا الرأي يروون حكايةً جذّابة ملخصُها أن زين شعيب كان يقيم في بيته وليمة، والبيت مزدحم، وفجأة حضر عاصي الرحباني وفيروز، فارتبك، وقال مخاطباً فيروز: سمرا يا أم عيون وساع والتنورة النيليّي، مطرح ديق ما بيساع راح حطك في عينيّي. فقال له عاصي ما معناه إن الغرض من هذه الزيارة قد تحقق، والمرجوّ منك أن تكمل هذا المطلع، وترسلها إلي لألحنها وتغنيها فيروز. وهذا ما كان.
ولتفنيد هذه الرواية أقول: الأغنية سُجلت في سنة 1957 باسم الأخوين الرحباني، وشَنّ عليها، يومئذ، الصحافي سعيد فريحة حملةً عنيفة، إذ رأى أنها أغنية "هابطة" لا تليق بفيروز، وانتقد ناظمَها عاصي الرحباني. أما زين شعيب فبقي على قيد الحياة حتى سنة 2005، ولم يقل قطُّ إنها من تأليفه، والغريب أن المواقع الإلكترونية أخذت تتزاحم على نشرها وترويجها بدءاً من سنة 2013، أي بعد ثماني سنوات من وفاته.
وفي كل الأحوال.. هذه الحكاية جُنحة. وأما الجناية الحقيقية فتجدها في سيرة رجل الدين الذي جَعَلَهُ أهلُ الإنترنت شاعراً عظيماً بالرغم عنه، وأعني علي جواد بدر الدين. تقول سيرته إنه رجل دين شيعي لبناني، مولود في سنة 1949، مقتول سنة 1980، دَرَسَ في النجف، وغنّت له فيروز قصيدتين، من دون ذكر اسمه. نشر الموقع الإلكتروني "أضواء المدينة"، بتاريخ 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2017 مقالةً لطوني حداد، أشار فيها إلى قصيدتين رائعتين، هما لقاء الأمس وعصفورة الشجن، نظمهما هذا الرجل، وامتنع عن ذكر اسمه، لأجل الحفاظ على مكانته ومكانة عائلته الاجتماعية والدينية، فلم يكن مستحباً وقتذاك لرجل الدين أن يتعامل مع الفن والفنانين.
في مقابلة أجراها الصحافي عبد الغني طليس مع منصور الرحباني في سنة 1977، يذكر منصور المعلومات التالية: غنت فيروز "لقاء الأمس" أول مرة سنة 1953 ضمن لوحة غنائية رحبانية هي "حلوةُ الموطنِ"، وكان علي بدر الدين في الرابعة من عمره! ثم أعادت تسجيلها مستقلة العام 1956 لصالح الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية، وصدرت في أسطوانة العام 1957، ثم صدر هذا التسجيل ثانيةً في أسطوانةٍ من إنتاج شركة فيليبس، وهي من تأليف منصور الرحباني وألحانه، كما جاء على الغلاف الخلفي للأسطوانة. وأما قصيدة "عصفورة الشجن" فسجلت في سنة 1965.
قلت: يبدو لي أن هذه المواقع تريد التشكيك بشاعرية عاصي ومنصور الرحباني، مع أن شاعراً كبيراً، مثل عصام العبد الله، يعتبرهما من أهم شعراء العربية، وأنا أؤيده حتى فيما يتعلق بالشعر الفصيح، وقد ذكرتُ هذا الرأي قبل حوالي شهرين أمام الصديق الشاعر حسان عزت، فقال لي: هل تذكر لي قصيدةً رحبانيةً فصيحةً تؤيد هذا الزعم؟ فقلت: أذكر قصائد كثيرة؛ "رَجِعْتَ في المساء" مثلاً.. وقصيدة "لقاء الأمس" التي يحكي عنها منصور الرحباني في آخر حوار أجري معه قبل وفاته (2009)، فيقول: من أكثر اللحظات تأثراً في حياتي يوم انتهى عرض أحد معرض دمشق الدولي، وجاء الشاعر الكبير عمر أبو ريشة ليهنّئنا، فقال: خُذَا شعريَ كله، وأعطياني قصيدتكما "لقاء الأمس"، وخصوصا البيت: نسيتُ من يده أن أستردّ يدي/ طال السلامُ وطالتْ رَفَّةُ الهُدُبِ.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى "القضاء" ليس قدراً!