الدولة المغدورة والسيادة المنزوعة

الدولة المغدورة والسيادة المنزوعة
الدولة المغدورة والسيادة المنزوعة

إشترك في خدمة واتساب

كتب عارف العبد...
 

تحول موضوع السيادة في إلى منطلق أساسي للمزايدة السياسية والإعلامية بين الأطراف المتداخلة والمتقاطعة والمتصارعة من كل الاتجاهات. وتحول لبنان إلى دولة مغدورة منتهكة ومنزوعة السيادة والحقوق، من الأعداء كما من الأصدقاء والأشقاء.

كل طرف يرفع راية حماية السيادة من جهة، لكنه في الوقت عينه يحفر قبرها أو يدمر منها حجراً أو مدماكاً، مدّعياً أنه يدافع عنها.

آخر فصول تعرض السيادة اللبنانية المزعومة للاهتزاز وللانتهاك الشديد، كان على يد ، أحد أكثر المدافعين عن السيادة الوطنية، وبحجة حمايتها وكسر الحصار الأميركي، عبر قراره باستجرار المازوت والنفط الإيراني، حتى لو اقتضى الأمر إدخاله إلى لبنان عن طريق سوريا من دون موافقة أو إخبار أو المرور عبر إجراءات السلطات الرسمية اللبنانية، التي اكتفت بالسكوت وعدم التعليق، تاركة لمناصريها وبعض أبواق المحازبين تولي إطلاق المواقف المؤيدة.

رئيس الجمهورية العماد ، المعني الأول بالاتفاقيات والمفاوضات الخارجية، لم يعلق أو يدلي بأي موقف تجاه قرار شريكه في اتفاق مار مخايل، استقدام بواخر النفط الإيراني باتجاه لبنان وإدخال حمولتها من سوريا عبر طرق وممرات غير شرعية إلى الأراضي اللبنانية.

بل على العكس حول الحزب الأمر إلى عملية انتصار جديدة وإلى استعراض إعلامي وسياسي على أبواب الانتخابات النيابية، التي في العادة تؤثر بشكل كبير وهستيري على تصرفات القوى السياسية.

إلا أن كل هذا لم يدفع الولايات المتحدة الأميركية للانتباه أن ما جرى هو انتهاك لقانون قيصر الذي أعدته أميركا نفسها. فكان سكوتها مريباً وغريباً ومثيراً لعلامات استفهام كثيرة، لم يجد له أي متأمرك تفسيراً مقنعاً، مع أن أميركا كانت تولّت في أوقات سابقة التحريض على حزب الله والمتعاونين معه او المقتربين منه.

في المقابل، فإن الولايات المتحدة الأميركية، الركن الثاني في ادعاء حماية السيادة اللبنانية المزعومة والدفاع عنها، لم تكن بعيدة أو منزعجة من عملية تكليف إسرائيل لشركة Halliburton الأميركية، التنقيب عن النفط في المنطقة المتنازع عليها في الجنوب.

الطرفان المتنافسان في المزايدة والمواجهة السيادية، إيران وحزب الله والمنظومة الممانعة من جهة، والولايات المتحدة وبعض أعوانها والمعجبين بنظامها، لم يوفرا لبنان أو يتصرفا على أساس أن له دولة موجودة. فكل طرف من أطراف المواجهة يمسك بزاوية من زوايا غطاء الدولة الرقيق ويشده في الاتجاه الذي يريد، حسب مصلحته ورغباته. ويعلي الصوت أو يخفضه حسب رغبته وما يريد الوصول إليه. والنتيجة ان ستر الدولة المزعومة بات بالياً وممزقاً قطعاً متناثرة ومتباعدة.

المفارقة المضحكة الثانية، أن الدولة اللبنانية بأجهزتها واتجاهاتها المتعددة لم تتأثر بقرار السلطات السورية تكليف شركات روسية التنقيب عن النفط في مياه شمالي المياه الإقليمية اللبنانية التي لم يتم ترسيمها أو الاتفاق عليها مع لبنان حتى الآن. بالرغم من أن الخرائط قديمة وإحداثياتها الحدودية تحتاج إلى تدقيق وتحديث.

فكما تصرفت إسرائيل والولايات المتحدة تجاه المنطقة الاقتصادية الحدودية اللبنانية في الجنوب عبر تكليف هاليبرتون البدء بأعمال التنقيب، كذلك تصرفت سوريا عبر تكليف شركة Capital Limited الروسية التنقيب في المنطقة الاقتصادية اللبنانية السورية غير المرسَّمة، بالقرب من البلوك رقم واحد مقابل الحدود اللبنانية الشمالية.

لكن المفارقة الغريبة أيضاً، أن لبنان الرسمي الذي اعترض على التصرف الإسرائيلي الأميركي في الجنوب، لم يتحرك بالقدر المطلوب والمتوازي تجاه التصرف السوري "الشقيق" في الشمال!

إسرائيل والولايات المتحدة استخفا بالمصالح والحدود اللبنانية جنوباً. في المقابل، فإن سوريا وروسيا معها تصرفا بالقدر نفسه من الاستخفاف وعدم الاحترام والاكتراث تجاه لبنان ومصالحه في الشمال.

بالأمس اجتمع رئيس الجمهورية إلى جانبه رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الجديد للبحث في كيفية التصدي للانتهاك الإسرائيلي الأميركي في الجنوب، فيما غابت المتابعة للاستفراد السوري الروسي بمصالح لبنان في الشمال! 

عاش لبنان سنواته الثلاثين الأخيرة ودفع أثماناً كبيرة لقاء معادلة تحرير مزارع شبعا المحتلة، اللبنانية الأصل والملكية، التي اكتُشفت خرائطها مؤخراً أيام الرئيس إميل لحود. لكن أحداً لم يحرك ساكناً أو يسأل حين كتب الدبلوماسي الأميركي، المستشار الخاص للمرحلة الانتقالية في سوريا خلال عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، السفير فريدريك هوف في مقالة صحافية، ليقول إن الرئيس الأسد أجاب حين سئل عن مزارع شبعا، إنها أراض سورية وليست لبنانية.

الجواب الجاهز طبعاً سيكون أن هوف صهيوني قصد الإيقاع بين البلدين. لكن ألا يستدعي الأمر التدقيق وطرح الأسئلة وفتح تحقيق ولو صوري؟

ببساطة، تقول الوقائع أن لبنان دولة مغدورة في الجنوب، يتربص بسيادتها عدو غاصب ويطمع بنفطها كما طمع بمياهها سابقاً، إلى أن حولها أهله ومسؤوليه إلى مياه مجارير. وفي الشمال، لا يرحمه شقيق جائر لا رحمة لديه، يبحث عن الفرصة المناسبة لاسترجاع ما يعتبره حقاً من حقوقه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى استقالة الرئيس نجيب ميقاتي اصبحت ضرورة وليست مجرد مطلب..
 

شات لبنان