لماذا نبذّر أموالنا... حين نكون مفلسين

لماذا نبذّر أموالنا... حين نكون مفلسين
لماذا نبذّر أموالنا... حين نكون مفلسين

إشترك في خدمة واتساب

كتب عماد الشدياق...

تنتقل إلى كوكبٍ، أو بُعدٍ آخر، مفصولٍ عن واقع الأزمة الاقتصادية حينما تقصد، في هذه الأيام، مطعماً أو مقهىً أو منتجعاً سياحياً. في تلك الأماكن لا وجود للأزمة، حيث الروّاد يأكلون ويشربون ويدخّنون النراجيل ويسبحون ويرقصون في الملاهي الليلية حتى ساعات الفجر الأولى... وذلك في مشهد "سوريالي" لا يشبه أبداً ما نشاهده من فقر وعوز في المقلب الآخر، حيث الطوابير على محطات الوقود والتقاتل على صفيحة بنزين، وتكسير المستشفيات، والبكاء على أعتاب الصيدليات من أجل الحصول على حبّة دواء.

يعزو البعض الأمر إلى زحمة المغتربين العائدين لقضاء فصل الصيف في ، فيما البعض الآخر يُرجّح أن يكون الروّاد من حَمَلَة الدولار، الذين يكنزونه في المنازل فيستفيدون من الفروقات في أسعار المأكل والمشرب مقارنة بسعر صرف الدولار، أو من العمّال والأُجراء الذين يتقاضون رواتبهم "فريش دولار" من الخارج... إلاّ أنّ ذلك كلّه لا يفسّر بشكل دقيق وواضح تلك الظاهرة.

في الشكل ومن زاوية اقتصادية، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور وليد أبو سليمان إنّ "الأزمة تسبّبت بإقفال العديد من المرافق السياحية"، وهذا ما قد يكون خلف الازدحام في ما تبقّى منها، خصوصاً مع انتهاء الإغلاق الشامل (Lockdown)، واستعادة اللبنانيين حياتهم الطبيعية مع بداية فصل الصيف.

يكشف أبو سليمان أيضاً أنّ "الطبقة الأكثر ثراءً من اللبنانيين هي الطبقة التي تملك 5% من الودائع في المصارف، إذ يشكّل هؤلاء نحو 200 ألف شخص، وقد يكون روّاد هذه المرافق من هذه الطبقة. يُضاف إليهم نحو 800 ألف شخص تصلهم مساعدات من الخارج ما بين 200 و2000 دولار شهريّاً، عن طريق أبٍ أو أخٍ أو معيل. هؤلاء أصبحت قدرتهم الشرائية عالية أيضاً، بسبب الفروقات في أسعار السلع على أساس سعر صرف الدولار في السوق السوداء.

يذهب أبو سليمان أبعد من ذلك أيضاً، فيشرح كيف كان اللبناني قبل الأزمة "يملك ميولاً إلى الادّخار"، وكيف بات اليوم "أكثر استعداداً لسحب الأموال من المصارف بأيّ طريقة" (سحب مباشر أو بواسطة البطاقات الممغنطة). وهذا في نظر أبو سليمان هو "دافع إضافي لتعزيز النمط الاستهلاكي بوتيرة أسرع"، لأنّ الناس "لا تريد الادّخار بعد اليوم".

لكن في مقابل هذه الرؤية، ثمّة أرقام كشفت عنها "الدولية للمعلومات"، تدفعنا إلى إعادة النظر في هذه القرائن، وقد تعيدنا إلى المربّع الأول، خصوصاً إذا عرفنا أنّ نسبة البطالة اليوم تقارب 35% (1.5 مليون لبناني)، ونسبة الفقر 55% من بين المقيمين (2.365 مليون)، بينهم 25% من المقيمين يعيشون دون خطّ الفقر (1.075 مليون لبناني).

وتكشف "الدولية للمعلومات" أيضاً أنّ مداخيل هؤلاء لا تكفي لتوفير كمّيات الغذاء الصحّيّة، وأنّ 95% من كل اللبنانيين لا يزالون يتقاضون رواتبهم بالليرة التي فقدت حتى اللحظة أكثر من 1000% من قيمتها، وأنّ 70% منهم تراوح رواتبهم الشهرية بين 1.5 بين و3 ملايين ليرة... فكيف لهؤلاء أن يقصدوا المطاعم والمقاهي والمسابح والمنتجعات؟

أمّا عن الأموال المحوّلة من الخارج، فتفيد الأولى في شركات تحويل الأموال الإلكترونية، "ويسترن يونيون" أنّ مقدار التحويلات يصل اليوم إلى نحو مليار و500 مليون دولار سنوياً. صحيح أنّ عددَ هذه التحويلات زاد بسبب الأزمة، لكنّ 5 % منها تحت الـ50 دولار، أي 75 مليون دولار سنوياً، يتوزّعون بين 20 و30 و50 دولاراً. و50 % منها تحت 300 دولار. ما يعني أنّ 750 مليون دولار تتوزّع على محدودي الدخل، بأقلّ من 300 دولار شهريا، أو كلّ شهرين مثلاً. وهؤلاء، الذين كانوا من "الفقراء" في لبنان قبل الأزمة، باتوا من العابرين إلى الطبقة الوسطى، حين صارت 300 دولار تساوي ما كانت تساويه الـ3 آلاف دولار قبل عام ونصف العام: 4 ملايين وخمسمئة ألف ليرة.

تقول أستاذة العلوم الاجتماعية الدكتورة وديعة الأميوني إنّ "الشعب اللبناني بطبعه غير قابل للخنق، وهو ما يعطي هذه الظاهرة بعداً سوسيولوجياً ونفسياً يتعلّق بالموروث الثقافي وبالذاكرة الجماعية لدى اللبنانيين. إذ تترسّخ في هذه الذاكرة مفاهيم الكرم وحسن الضيافة وحبّ الحياة. وقد عرفناها في أحلك الظروف وفي حمأة الحرب الأهلية. رأينا كيف كانت الناس تنفض الغبار عن محلّاتها بعد المعارك وتستمرّ. وهذا مردّه إلى شخصية اللبناني الفريدة التي يتميّز بها لبنان عن سائر شعوب المنطقة. وهذا يمكن تفسيره بردّة الفعل العكسية التي يبديها اللبناني العنيد تجاه الأزمات".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى جنرال أحيا لبنان... وجنرال دمّره
 

شات لبنان