لبنان: متى تنفجر طنجرة الضّغط

لبنان: متى تنفجر طنجرة الضّغط
لبنان: متى تنفجر طنجرة الضّغط

إشترك في خدمة واتساب

كتب راغب جابر...

يغلي. صفير طنجرة الضغط ينبعث قوياً من زر الأمان واشياً بنهاية ما، وبالتأكيد ببداية ما. حتى الآن لا يمكن التكهن، لا بالنهاية ولا بالبداية.
 
البلد وصل الى طريق مسدود بلا أفق، وهو عاجز فعلاً عن النهوض ولا أحد مستعد لأن يمد يده ليرفعه عن الأرض. هذا الكيان الكسيح ربما يكون قد استوفى غرضه ولم يعد حاجة لأحد ممن كانوا يتسابقون لمدّه بجرعات من المقويات والفيتامينات والأوكسجين. كل شيء يوحي بذلك، فيما يقترب البلد من نهاية مأسوية لأصعب أزمة اقتصادية اجتماعية وسياسية منذ قرن.
في المشهد اللبناني الحالي وقائع صارخة ومحبطة الى حد إثارة السخط والقرف، وليس آخرها الأزمة القضائية المندلعة على خلفية تجريد النائب العام التمييزي غسان عويدات المحامية العامة الاستئنافية في جبل لبنان غادة عون من ملفات كانت تتولاها، يتعلّق أبرزها بقضايا تهريب أموال الى الخارج، ثم تمرد القاضية المعزولة على قرار رئيسها وقيادتها عراضة حزبية لاقتحام مقر شركة لتحويل الأموال.
 
ليست الأزمة القضائية الأخيرة التي يمكن وصفها بالفضيحة هي الأولى، كما أنها ليست مفاجئة لمتابعي الشأن اللبناني ومنه الوضع القضائي. الروائح التي تزكم الأنوف تفوح من قصور العدل والمحاكم ومواقع القرار المتحكمة بمسار العدالة في البلد. لم تعد ملفات فساد بعض القضاة سراً ولم يعد الإعلام يتهيب فتح الملفات الخاصة بفساد بعض القضاء. هناك قضاة دمّروا هيبة السلك وصدقيته ورمزيته، فسقط من موقع "القداسة" الذي كان يحتله والذي كان يجنّبه أي انتقاد. كان ممنوعاً المسّ بالسلك في وسائل الإعلام، وما يكتب ويذاع كان لا يتعدى التلميح. تلك القداسة التي وفّرها "السيستم" للقضاء، فحصانته من الداخل ومن الخارج تلاشت مع الوقت.
أساء قضاة الى قسمهم فأساؤوا الى السلك الذي فيه قضاة يستحقون لقبهم، ولم يغرهم مال ولا منصب ولا هدايا من عيار سيارة أو شقة أو حتى علبة سيجار فاخر... كان كل ذلك قابلاً للعلاج، لكن كيف ومن يعالج؟
 
كان ذلك قابلاً للعلاج لكنه حالياً يبدو صعباً جداً. صعب لأن ليس هناك من سيعالج ويضرب بيد من حديد، والسبب بسيط للغاية. إن من يفترض أن يضرب بحاجة لمن يضربه أولاً.
يبدو غريباً وغير منطقي القول إن في بلد كل شيء فيه مرتبط بالسياسة، لا سياسة. نعم لبنان بلد لا سياسة فيه، بمعنى إدارة البلد والشأن العام. لا تعمل السياسة في لبنان شيئاً ولا تنتج شيئاً ولا تدير بلداً. هي معدومة عملياً. لكن السياسيين كثر. هل هم سياسيون فعلاً؟
 
مشكلة القضاء هي في السياسة أولاً. ليست مشكلة أسماء لقضاة. فالقاضية عون ليست في مكانها لأنها غادة عون وغسان عويدات ليس في موقعه لأنه غسان عويدات، وفلان وفلان وفلان من القضاة، مع كل ما يملكه كل منهم من مؤهلات، بل لأن لهم أسماء أخرى لسياسيين كبار وضعوهم في هذه المواقع.
 
وعليه، فالمسؤولية الكبرى هي مسؤولية سياسية أولاً، مسؤولية السياسيين الذين تعاملوا مع سلك القضاء الذي هو سلطة مستقلة توازي السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويفترض في نظام أكثر شفافية أن تحاكمهما، وكأنها مصلحة مياه مناطقية او إدارة مرفأ للصيادين أو مدرسة رسمية في قرية نائية.
 
باحتقار وازدراء تعاطت السياسة مع القضاء، فعبثت به تعييناً ومناقلات واحتواء وتجميداً لتشكيلاته وحماية لفاسديه ومفسديه وضرباً لاستقلاليته التي هي منبع قوته، كما يفترض. أصبح القاضي تابعاً للسياسي، يقف عند بابه، ويقدم فروض الولاء طمعاً بمنصب أعلى وطلباً للرضا. وما من شيء من دون مقابل.
 
ليس مبالغة القول، إنه مع نظام المحاصصة والحماية الطائفية السائد في البلد، في الإدارة والأسلاك العسكرية والأمنية، وفي القضاء، باتت القرارات القضائية الكبرى، وأحياناً الصغرى، تُتخذ في القصور والمقار السياسية وليس في قصور العدل، وبات بعض القضاة زواراً معتادين لكبار السياسيين.
قد يظلم بعض القضاء في ما يجري، لكن الصورة السلبية العامة مسيطرة ولا سبيل لمحوها إلا بحدث كبير.
لا بدايات جديدة إلا على أنقاض نهايات. عسى النهاية تكون لهذا النظام الطائفي المدمر وليس لهذا البلد الجميل

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى تل أبيب: شكراً جبران باسيل
 

الفن الإسلامي