سماحتك أفتنا: هل يجوزُ أن نفطُر رمضان هذا العام؟

سماحتك أفتنا: هل يجوزُ أن نفطُر رمضان هذا العام؟
سماحتك أفتنا: هل يجوزُ أن نفطُر رمضان هذا العام؟

إشترك في خدمة واتساب

كتب زياد عيتاني...

"أم محمد"، سيدة بيروتية توفي زوجها في ما سمّي "حرب التحرير"، التي أعلنها قائد الجيش في حينه العماد ، إثر إصابته بشظية خلال انهمار القذائف العشوائية على منطقة الأونيسكو في 15 آذار من عام 1989. قبضت "أم محمد" تعويض نهاية الخدمة لزوجها في بلدية وأقسمت يميناً أن لا تلمسه، كما نصحها الكثيرون من الجيران والأقارب. كانت تستعمل ما ينتجه هذا الحساب من فوائد، مُراهِنة أن يبقى أصل المبلغ ثابتاً، مردّدة مقولة: "مصمّدين لآخرتي".

"أم محمد"، لا دخل لها بالسياسة ولا بالهندسات المالية: عند الخامس من كلّ شهر، تحمل دفتر التوفير، وتتوجّه إلى المصرف القريب من منزلها بكورنيش المزرعة. تلقي التحية على "ندى" عاملة المصرف، وتُعطيها الدفتر، فتُنزل لها الفائدة المستحقة، ثم تسحب جزءاً منها لأنّ ما بقي ستسحبه بنصف الشهر قائلة: "إذا سحبتن كلّن بطيروا..".

"أم محمد"، لم تعد هذه الأيام تقصد البنك في الخامس من كلّ شهر، بل تزوره يومياً، فتقف خارج أبوابه بانتظار دورها كي تسحب ما حُدّد لها سحبه يومياً. تتمتم وهي تنظر إلى مدير البنك في مكتبه وخلفه صورة معلقة للرئيس العماد ميشال عون: "بالأول قتلوا الرجّال، وهلق عميسرقوا المصريات". وتواصل: "الله يعينا على رمضان كيف بدنا ندبّر حالنا".

.. أفتونا يا أصحاب السماحة وأهل العلم والفقه، هل مباح لنا نحن اللبنانيين، و"أم محمد" في مقدَّمنا، أن نفطر في شهر رمضان هذا العام. ابحثوا لنا عن فتوى تستند إلى آية قرآنية، أو إلى حديث بسند ضعيف، يسمح لمَن لا يملك ثمن دجاجة أو نصف دجاجة أو كيلوغرام من الرز أو العدس، أو أقلّه مكوّنات صحن فتّوش أن يفطر في رمضان من دون حرج أو خوف أو سوء عاقبة.

ليدعُ المفتي زملاءه، مفتي المناطق ومعهم صفوة العلماء، إلى أن ينخرطوا في ورشة بحثية تخرج بفتوى عاجلة، تقول: "يحق للشعب اللبناني العاطل عن العمل، المنهوب ماله في المصارف، العاجز عن مواكبة ارتفاع الأسعار وعن توفير الماء والكهرباء والمحروقات لسيارته أو دراجته النارية للذهاب إلى العمل... والذي نصفه يُقتطع نصف راتبه، والنصف الآخر محروم منه بعدما أقفلت شركته... يحق لهذا الشعب أن يفطر رمضان هذه على أن يقضي لاحقاً ما فاته من صيام  بعد انقضاء هذه السنوات العجاف".

.. سماحة المفتي والمفتين والعلماء الأفاضل أجمعين: زعماؤنا يخرجوننا في النهار، كفراً، ألف مرّة عن الدين. وما يقترفونه يُسقِطُ عنّا الصوم. فالصوم لا يُقبلُ من الكافرين.

نحن قوم لا نملك القدرة ولا الأهليّة لنكون من الصائمين في شهر رمضان من هذا العام. لقد بتنا قوماً لعّانين شتّامين عندما نقصد المصرف، وعند شراء الخضار، وعند إصلاح السيارة، وعند الصعود في المصعد، وعند ركوب "السرفيس". كلّ ما حولنا يدفعنا إلى شتم من على الأرض أو خارجها. العياذ بالله خالق الأكوان مالك يوم الدين.

لقد تربّينا منذ نعومة أظفارنا على الفرح في هذا الشهر الكريم. كنّا نجمع بعضنا من بعض المالَ المدّخر من مصروفنا اليومي، كي نعلّق حبل الزينة ونضيء شوارعنا بالهلال مهلّلين مكبّرين. كان السلام فيما بيننا، بدلاً من "السلام عليكم"، هو "رمضان كريم". أمّا اليوم، فنجوانا فقط لله رب العالمين. هو دعاء لا نريد غير الاستجابة له، وهو دعاؤنا الأخير، فنقول رافعين أكفّ الضراعة صارخين: "يا رب عليك بكل الظالمين والفاسدين، سارقي أموال الناس وأحلامهم، انتقم منهم. أنت المنتقم الجبّار العليم".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى تل أبيب: شكراً جبران باسيل
 

الفن الإسلامي