أخبار عاجلة

فطور رمضانيّ "عادي" كلفته 315 % من الحدّ الأدنى للأجور

فطور رمضانيّ "عادي" كلفته 315 % من الحدّ الأدنى للأجور
فطور رمضانيّ "عادي" كلفته 315 % من الحدّ الأدنى للأجور

إشترك في خدمة واتساب

كتب جودي الأسمر...

"أوّل غيث" هموم لقمة الإفطار الّتي هبطت على عتبة رمضان، تلقّاه المواطن اللبناني مع صدمة "مؤشر الفتّوش" غير المتوقّع أن يبلغ هذا الحدّ. فقد بلغت تكلفة صحن فتوش لعائلة مكوّنة من خمسة أشخاص، حوالي 18500 ليرة، فيكون الموظف، الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور، قد دفع 82% من راتبه ثمن صحن الفتوش طوال شهر رمضان، بحسب دراسة لـ"مرصد الأزمة" صادرة عن "الجامعة الأميركية في ".

وفيما تبدو تكلفة هذه السلَطة استباقاً تحذيرياً لتكاليف المكوّنات الأخرى للسفرة الرمضانية، وبعد الاستفاقة من الصدمة الأولى، ننتقل إلى محاولة ابتلاع الصدمة كاملة، من خلال تقويم كلفة إفطار رمضاني كامل لعائلة مسلمة. وقد اخترنا أن يكون إفطاراً خالياً من الترف المعهود، ويتآلف مع غالبية بيوت ، التي تجاوز أكثر من نصفها عتبة الفقر.

وقبل الدخول في الأرقام، لا بدّ من نقل مؤشّر نوعي مخيف، ترصده الأعين من دون مجهود في أسواق المواد الغذائية، التي انتقلت إلى "ضفة أخرى" فباتت صحراء تخلو من مظاهر الاستعداد للصوم. خصوصاً في طرابلس حيث كانت أسواق الخضر واللحوم في العطّارين وسوق القمح، مثلاً، تعجّ بالمتموّنين قبل عشرة أيام من الشهر الفضيل، وكأنّها طقوس لا بدّ منها في الشهر الفضيل، فاستحقّت أن تكون محطّ أنظار المناطق المجاورة وكل لبنان، وربّما مدن المشرق العربي.

يحوم في هذه الأسواق، على غير عادة، شبح الإقفار والفقر معاً. لا روّاد في الأسواق، وكأنّها تعيش "حظر تجوّل" محكماً لم تشهده الشوارع حتّى في أيام التعبئة العامة. يعجز المواطنون عن تزويد مطابخهم بمونة الشهر، فتتّجه غالبية الأسر إلى التخلي عن سياسة التموين، وتعمد إلى شراء لوازم الإفطار كل يوم بيومه، حسبما يقول لنا صاحب سوبرماركت في أبي سمرا، غادرها لتوّه زبونٌ بعدما رمى حبّة بطاطا على الطاولة حين عرف أن ثمن الكيلو بلغ 5000 ليرة.

وفي مشهد يدمي الخاطر، ويخجل المرء أنّه يراه أو يستذكره، تقترب أمٌّ لثلاثة أطفال من بائع الخضر في زيتون أبي سمرا، ومن دون إشارة أو كلام، يُخرج البائع سكّينه، فيقطع من حبّة الباذنجان الجزء الّذي فسد منها، ثمّ يضع الباقي في كيس، ويعطيه للمرأة. يقول البائع: "كنّا نعطي بقايا هذه الخضر أعلافاً للأبقار السارحة حولنا. وصلنا إلى أيام صعبة جداً. والآتي أشدّ".

تقترب سيّدة أخرى خمسينية تسأله: "ماذا سأطبخ اليوم؟"، يجيب البائع أنّه لم يبق لديه شيء يعطيها إيّاه، فتغادر السيدة منكّسة الرأس، باحثة عن لقمة طعام لأسرتها أجبرتها صروف الدهر على أن تطهوها من بقايا الطعام.

في العودة إلى الأرقام، قد يتألّف إفطار رمضان من صحن فتوش، وطبق رز ودجاج أو بطاطا باللحم من دون إضافات، ولبن، وشوربة جاهزة، وهي سفرة متواضعة تخلو من الطيّبات المعروفة في طرابلس مثل الفتّة، الكبة النية، البطاطا المقلية، المغربية، الحشائش، المعجّنات، الكبيس، وغيرها. في ما يلي نحتسب تكاليف الفطور المكوّن من بضاعة من البابين الثاني والثالث:

- سفرة أرز ودجاج:

صحن فتوش (18500 ليرة) + كيلو أرز إيطالي (18000 ليرة) + نصف كيلو دجاج (17000 ليرة) + نصف كيلو لبن (3000 ليرة) + ظرف شوربة (4000 ليرة) + نصف ربطة خبز (1000 ليرة) = 61500 ليرة.

وعند استبدال هذا الخيار بطبق بطاطا (كيلو ونصف بـ7500 ليرة) ولحم مفروم (نصف كيلو بـ27500)، نحصل على المجموع نفسه.

وتضاف الى هذه المواد تكلفة الزيت النباتي (10 ليتر بـ250 ألفاً) والسمن النباتي (كيلو بـ32 ألفاً)، فيكون المجموع 282000 ليرة مقسّمة على 30 يوماً، ويكون الحاصل حوالى 9400 ليرة يومياً، وتصبح التكلفة الأدنى لإفطار في رمضان 71000  ليرة يومياً.

وفي ضوء هذه الأرقام تتبلور الصدمة الكبرى، باحتساب التكلفة الشهرية للإفطار خلال رمضان، ليتبين أنّها 2.130.000 ليرة حداً أدنى، أي ما يعادل 315.5% من الحد الأدنى للأجور البالغ 675000  ليرة.

إزاء هذا الواقع الرمضاني الممعن في البؤس، يعلّق أستاذ الاقتصاد في جامعة البلمند سامر الحجار لـ"أساس"، بأنّ "اللبنانيين بكلّ طوائفهم، صاروا ملزمين بالتخلّي عن عادات استهلاكية، أوّلها وأصعبها الغذاء. ويمكن الاستناد في ذلك إلى مؤشرات الشركة "الدولية للمعلومات"، التي أعلنت في دراسة على عيّنة من 100 أسرة، أنّ 45% من الأسر لم تصنع معمول الفصح، و35% صنعت الحلوى بتكلفة أقلّ، فاستبدلت الفستق والجوز بالتمر أو السكر. و15% لم تغيّر العادة، لكنّها صنعت كميات من الحلوى أقلّ بـ25% الى 50%". ولا يحيد جوهر هذا الواقع الغذائي عن مضمون تقرير "الفاو" ومنظمة الأغذية العالمية الذي حذّر من انعدام الأمن الغذائي في لبنان، بسبب فقدان ما لا يقل عن 19% من اللبنانيين مصادر دخلهم حتى نهاية 2020.

ويضيف الحجار أنّ "اللبنانيين فقدوا 85% من القدرة الشرائية، وتشير إحصاءات "الإسكوا" إلى أنّ 70% من أهالي طرابلس عاجزون عن توفير أهم مستلزمات العيش. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الخلل في قدراتهم على توفير الطعام خلال الأيام العادية،  فضلاً عن شهر رمضان؟".

هي أسئلة لا تكفي الاجابة عنها مبادرات توزيع كراتين "الإعاشات" والمطابخ الخيرية التي تنشط خلال رمضان، وضخّ دولار المغتربين المسعف، ولو بالحدّ المقبول. فهذه كلّها حلول آنية، ولا سيما أن بعض أعمال "الخير" التي تجتهد بتقديمها الأحزاب وجمعيات تابعة لجهات سياسية، غايتها تكريس الجوع وإعطاء الفتات للفقراء.

أليس الأجدر بأصحاب هذه المبادرات أن يعكفوا على حلول وطنية مستدامة تكفي اللبنانيين شرّ الجوع، بدلا من تمضية الوقت في سجالات الـ"مظلومية" و"حقوق الطائفة"، إنقاذاً لكرامة كل لبناني جوّعوه، أو لِما بقي من كرامته. 

رمضان سيكون صعباً جداً هذا العام.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى تل أبيب: شكراً جبران باسيل
 

الفن الإسلامي