أخبار عاجلة

لبنان من أرخص البلدان… للأغنياء فقط!

لبنان من أرخص البلدان… للأغنياء فقط!
لبنان من أرخص البلدان… للأغنياء فقط!

إشترك في خدمة واتساب

كتب رامي الأمين....

مع بلوغ سعر صرف الدولار حافة العشرة آلاف ليرة، لم تعد أسعار السلع في السوق اللبنانية قريبةً من المنطق، وهي كانت تجافي المنطق بشكل عكسي قبل الأزمة، مع سعر الصرف الثابت على 1500 ليرة. قبل الأزمة، وبالمقارنة مع الدولار، كانت أسعار السلع والخدمات اللبنانية من الأعلى عالميًّا. مثلًا فاتورة الهاتف الخلوي والإنترنت في ، كانت من الأغلى في العالم، تصل في معدّل وسطي إلى خمسين دولارًا للخطّ الثابت، مع خدمة إنترنت متواضعة. اليوم بالمقارنة مع الدولار، صارت قيمة هذه الفاتورة سبعة دولارات ونصف الدولار. أي أنّ قيمتها العالمية تراجعت لتصير من أرخص الفواتير في العالم. المقارنة نفسها تصحّ في أسعار المحروقات، حيث تنكة البنزين في لبنان اليوم، مع ارتفاع سعرها المضطرد، وصل إلى 32 ألف ليرة، وهو مبلغ يعادل ثلاثة دولارات وعشرين سنتًا على سعر الصرف في السوق السوداء. فيما كان هذا السعر يعادل قبل الأزمة عشرين دولارًا. هذه أساسيات بالنسبة لجميع الناس. واسعارها لمن لا يزال مدخوله بالليرة اللبنانية، أي ما يزيد على تسعين في المئة من اللبنانيين، لا تزال مرتفعة جدًّا. ولم تنخفض فعليًّا وتصير "رخيصة"، إلا في حساب من لديهم مصدر دخل بالدولار الأميركي. لكن دعونا نُجري مقارنةً بسيطة بين سعر البنزين في لبنان، وبين سعر تنكة البنزين في بلد نفطي كالسعودية. أحد اصدقائي يعيش هناك، قال لي إنه يدفع ثمن العشرين ليترًا من البنزين في ما يعادل 10.75 دولارات. أي بما يعادل في سعر الصرف اللبناني اليوم مئة ألف ليرة لبنانية. تنكة البنزين في لبنان، نظريًّا، أرخص بثلاثة أضعاف من تنكة البنزين في السعودية.

هل من تفسير؟

قبل اللجوء إلى خبير اقتصادي لتفسير هذا الأمر، دعوني أعرض لكم مجموعة مقارنات بين أسعار السلع في لبنان، وأسعارها في بلدان المنشأ. عقدتُ هذه المقارنات بالاستعانة بأصدقاء لي يعيشون في بلدان عربية واوروبية وفي الولايات المتحدة الأميركية. أما الكماليات فحدّث مع كثير من الحرج. وجبة السوشي مثلًا، ومطاعم السوشي على أنواعها لا تزال مفتوحةً وتؤمّن خدمة الدليفري، تعادل حوالى مئة ألف ليرة لبنانية لشخصين في مطعم عادي، وهذه القيمة كانت تعادل حوالى خمسة وستين دولارًا على سعر الصرف قبل الأزمة، أما اليوم فباتت تعادل عشرة دولارات فقط. في اليابان لا يمكن تناول وجبة سوشي في مطعم شعبي بأقل من عشرين دولارًا، ويصل أحيانًا إلى مئة دولار لشخصين. وعلى منوال البنزين يمكن أن نستغرب كيف أنّ السوشي، التي نستورد مكوّناتها الرئيسية من اليابان، لا تزال في لبنان أرخص، بمقارنة السعر بالدولار. وقِسْ على ذلك، في مسائل كانت تُعتبر في متناول شرائح كبيرة من اللبنانيين، ممّن كانوا يُحتسبون على الطبقة الوسطى. ففنجان القهوة في سلسلة مقاهي ستارباكس الأميركية، لا يتجاوز سعره في لبنان 15000 ليرة لبنانية اليوم، بعد غلاء الأسعار، وبعد أزمة الصرف. أي ما يعادل دولارًا ونصف الدولار، وكان في ما مضى قبل "تحرير" سعر الصرف يعادل عشرة دولارات. في الولايات المتحدة، منشأ سلسلة المقاهي، سألتُ قريبي الذي يعيش هناك، أرخص فنجان قهوة في ستارباكس بثلاثة دولارات للإسبريسو، التي تباع في فروع لبنان بأقل من عشرة آلاف ليرة، وتصل الأسعار في أميركا لبعض مشتقات القهوة التي يدخلها الحليب والكريما،  إلى خمسة دولارات، أي على سعر الصرف الحالي في لبنان، خمسين ألف ليرة لبنانية!

هل من تفسير؟

لجأتُ إلى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان الذي بسّط لي المسألة. قال إنّ القضية كلها مرتبطة بسياسة الدعم التي يُفترض أنها تطال سلعًا أساسية، يستفيد منها الفقراء، لكنها في اللعبة اللبنانية كانت ولا تزال تطال الكثير من السلع التي تُعتبر من الكماليات. إذا أزحنا البنزين جانبًا، يبدو غريبًا بالنسبة إلى أبو سليمان أن تدعم الدولة سمك السومون مثلًا، الذي يدخل في وجبات السوشي، ويفسر "رخص" أسعار السوشي مقارنةً بسعر صرف الدولار، بأنّ المطاعم التي تقدّم هذه الوجبات، تستفيد من الدعم على مستويات عدة، لا تقتصر فقط على سمك السومون أو الأرزّ، بل تتخطاها إلى أمور لا ينتبه إليها كثيرون، منها إيجارات المحالّ والكهرباء ورواتب الموظفين والهاتف والإنترنت، وكلها تُحسب لدى تسعير الوجبات. ومع ذلك يرى أبو سليمان أنّ هذا النوع من المأكولات، حتى مع تدنّي سعره لمن يتداولون الدولار "الفريش"، إلا أنه لم يعد في متناول غالبية اللبنانيين، كما كان الحال سابقًا، بل أصبح بعيد المنال عن فئات كبيرة من اللبنانيين من الموظفين في القطاع العام، وفي كثير من شركات القطاع الخاص التي تدفع رواتب موظفيها بالليرة اللبنانية. والمفارقة بحسب أبو سليمان أنّ الدعم الذي نتحدث عنه يأتي اليوم من حسابات المودعين، ولا نعرف تمامًا إذا ما كان لا يزال هناك ما يكفي من دولارات في مصرف لبنان، من أموال المودعين، للاستمرار في الدعم على السلع الأساسية. يعتقد أبو سليمان أنّ الدولة تشتري الوقت بأموال المودعين وهو ما يجعل هذه الفترة الانتقالية غريبة لجهة الأسعار، وخصوصًا مع نسج المقارنات مع دول أخرى، مجاورة أو بعيدة. وهذه المرحلة ستفتح الباب على التهريب والمضاربة بالأسعار، فإذا كانت كثير من السلع "رخيصة" إلى هذا الحدّ، بالمقارنة مع الدول المجاورة، فلا يجب أن نتفاجأ بأنّ التهريب بات نشيطًا من لبنان إلى تلك الدول لتحقيق أرباح.

الحل؟

لا حلّ عمليًّا مع هذه الطبقة السياسية التي تشتري الوقت ولا تجترح حلولًا جذرية للأزمة، من ضمنها مثلًا خلق بطاقة تموينية للفئات الأكثر فقرًا، لكي تستفيد وحدها من الدعم على سلع بات يستفيد من "رخصها" الأغنياء ومن يتلقّون رواتب بالدولار. في الخلاصة، عندما كانت البلاد "مكلفة" كانت مكلفة على الفقراء وحدهم، وفي خدمة الأغنياء. وعندما صارت "رخيصة"، زاد الفقراء فقرًا، وصار الحد الأدنى للأجور يساوي ما يعادل ستين دولارًا شهريًّا، واستفاد الأغنياء، وحدهم، من "الرخص".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق لبنان: عصفورية أو الجحيم؟
التالى التدقيق الجنائيّ: لائحة "الكذّابين" طويلة
 

الفن الإسلامي