تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

التخريب الإسرائيلي: إما أنّه حصل وإما أنّه لم يحصل

التخريب الإسرائيلي: إما أنّه حصل وإما أنّه لم يحصل
التخريب الإسرائيلي: إما أنّه حصل وإما أنّه لم يحصل

إشترك في خدمة واتساب

كتب وسام سعادة...

إن كان هناك تخريب أو استهداف إسرائيلي لحاويات نيترات الأمونيوم في ، فهذه لا يمكن أن تبقى فرضية غائمة، تائهة، مشتّتة، تستحضر في النقاش عَرَضاً، أو يشتبه فيها على أنها "نظرية مؤامرة". لا شأن لكلّ أدبيات نظرية المؤامرة بمعرفة ما إذا كان انفجار مخزون النيترات أمونيوم المشقّع في استهتار شيطاني لا محدود في مرفأ بيروت، هو نتيجة لتخريب إسرائيلي أو لغير ذلك من الأسباب المباشرة. في الوقت نفسه، هذه فرضية لا يمكن أن يجري تمحيصها والفصل فيها بالتكهّن. هذه فرضية تستوجب التقصّي. المشكلة أنّ كلّ من يتحمّل مسؤولية عن تغييب أدنى معالم السيادة الوطنية وحاكمية القانون عن أحوال المرفأ والمطار والمعابر الحدودية، قد يجد أنّ التستّر على محلّ هذا المخزون التفجيري والتدميري والسامّ في مركز المدينة، في صميم قلبها النابض، أولى من التكشيف على المسؤولية الإسرائيلية.

ولأنّ الأمور كذلك، يعاد القول إلى المربع الأول: معرفة حقيقة ما جرى غير ممكنة في ظلّ المعادلات التي تحكم البلد منذ وقت طويل، وبشكل أكثر خطورة في الوضع الحالي. نحن في الوقت نفسه نعرف ولا نعرف ما جرى. بتنا نعرف أنّ هناك مخزوناً هائلاً من الطاقة التدميرية، كان محفوظاً وموقوتاً لنا في المرفأ، وأنّ هناك استهتاراً فظيعاً بهذا، متعدّد الدرجات وواسع النطاق. ولم يشعر أيّ من المستهترين بعد بأن عليه مسؤولية. هذا في وقت تبلغ مسؤولية كلّ هؤلاء في أقل تقدير درجة الخيانة العظمى. في المقابل، لا نعرف كيف اشتعلت هذه الطاقة التدميرية. وهنا الفرضية الإسرائيلية في الأيام الماضية لا يكاد يُطرق بابها حتى تُسحب من المداولة حتى يُهرع إليها من جديد، وتُستحضر لها الشواهد السمعية البصرية والتحليلات، ولكن.. هذا ليس كافياً.

هذه المرة، هناك تقاطعات من شأنها أن تعرقل إظهار ذلك، بل إنّ هناك من يجد مصلحته في إبقائها فرضية، لا هي تُردّ ولا هي تُقبل، بل مجرّد شبح يطوف حول مكان الجريمة. مكان الجريمة؟ هذه المرة مكان الجريمة واسع جداً. إنها جريمة ضدّ السكان، ضدّ العاصمة، ضدّ الإرث المعماري، ضدّ الأرزاق.

في الوقت نفسه، هذه الخشية بأنه يمكن تلفيق كلّ شيء، وطمس كلّ شيء، ليست في محلّها. كلّ محاولة للطمس والتلفيق سوف تخدم أكثر قضية معرفة ما حصل. وإذا كان تخزين هذه المواد يكشف حجم الاستهتار الإجرامي عندنا، فإنّ هذا الاستهتار الإجرامي لا يحوّل قصف أو إشعال هذا الفتيل إلى جريمة أقلّ، بل إلى جريمة أكبر بكثير، إلى جريمة ضدّ الإنسانية بكلّ ما للكلمة من معنى.

وأول الغيث يكمن هنا. في التوصيف القانوني لهذه الجريمة، كجريمة ضد الإنسانية. عندما تكون هذه جريمة ضد الإنسانية لا يعود السؤال متمركزاً حول التقصير، الإهمال، الفساد، إلخ. إلخ. لا يعود مقتصراً على تعقّب موظف من هنا أو هناك. الجريمة ضد الانسانية ترتكبها كيانات إجرامية. هذا كلّه يفترض أن يكون مُسلّماً به الآن. وإذّاك سنحصر ما تبقى معرفته: بما إذا كانت هذه الجريمة ضد الإنسانية محلية الصنع فقط، أو حادثة كلعبة دومينو. عدوّ خارجي يقصف القنبلة الموقوتة التي وضعها "محلّيونا" بأنفسهم في المرفأ.

الفصل في فرضية التخريب الإسرائيلي من عدمه ليس بأمر ثانوي هنا. إنه فصل أساسي، لا يمكن إغراقه تحت وابل الحديث عن الاستهتار، والفساد، وغياب السيادة، وسلطة السلاح. إذا كانت إسرائيل تصيّدتنا في النقطة التي تتكثّف فيها كلّ عناصر العطب واللامعقول عندنا، في المرفأ، فهذا على فداحة ما يظهره من الشرّ الذي يحكمنا في الداخل، لا يلغي أنّنا تعرّضنا للعدوان. إما هناك عدوان كهذا، وإما ليس هناك عدوان. ليس هناك في هذه المسألة نصف عدوان. حتّى وإن كان هناك من يريده أن يبقى كذلك: شبح يضبطه ضبطاً، ساعة يستحضره، وساعة يكبته.

الأرجح أنّه كان هناك تخريب إسرائيلي. الأرجح كفرضية. لكنّ رجحان الفرضيات لا يكفي. الأرجح أنّ الأمور لا يمكن أن تبقى مكتومة في هذا الصدد بالتحديد. وهذه المرّة، فإنّ استمرار البلد رهن بالمعرفة، معرفة هذا الموضوع بالتحديد. التخريب الإسرائيلي كفرضية، لا هو بتفصيل ولا لتحصيل حاصل. إما أنه حصل وإما أنّه لم يحصل. ولهذا تداعياته، يفترض، ولذاك تداعيات مختلفة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بعد استنزاف الاحتياطي: الدولار إلى 21 ألف ليرة؟