تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

ماكرون: لبنان لن يعود بعد 4 آب كما كان

ماكرون: لبنان لن يعود بعد 4 آب كما كان
ماكرون: لبنان لن يعود بعد 4 آب كما كان

إشترك في خدمة واتساب

كتب إيلي القصيفي...

لم تكن زيارة أي رئيس دولة أجنبية لبيروت مثلما كانت الخميس زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لها. إنّها زيارة فريدة في دلالاتها التاريخية والأنسانية، والأهمّ في توقيتها، عقب الإنفجار الدموي الذي أودى بحياة ما يزيد عن 150 شخصاً وجرح أكثر من 5000 آخري. كما دمّر المرفأ التاريخي للعاصمة وأصاب الأحياء المحيطة به بأضرار تدميرية هائلة. وهي أحياء فرنسية الطابع في عمرانها واجتماعه،ا وقد ازدهرت ونمت حول المرفأ الذي طوّره الفرنسيون ابتداءاً من القرن التاسع عشر. من هنا لم يحمل لقاء ماكرون مع أهالي الجميزة ومار مخايل ومع الشابات والشبّان هناك معانٍ سياسية وحسب، بل وتاريخية أيضاً، بالنظر الى الرابط التاريخي بين هذه الأحياء وبين فرنسا، وذلك بعد مئة عام بالتمام على قيام دولة " الكبير".

مشى الرئيس الفرنسي في تلك الأحياء التراثية الطابع كأنّه رئيس جمهورية لبنان ورئيس حكومته. هكذا استقبله الناس هناك، وهذا كان الانطباع الذي تركه لقاؤه بهم بينما لم ولن يسعَ (أو لن يجرؤ) أيّ رئيس أو وزير أو مسؤول في السلطة السياسية أن يزورهم لأنّهم سيرفضون لقاءه وسيصرخون في وجهه كما فعلوا مع وزيرة العدل في الجمّيزة يوم الخميس.

لقد تعمّد ماكرون هذا "الحمام الجماهيري" قبل لقائه الرؤساء اللبنانيين والقادة السياسيين ليبعث رسالة واضحة إلى الشباب اللبناني بأنّه لا يتجاوز سخطهم من أركان السلطة السياسيّة، وأنّ هذا السخط يشكّل دينامية سياسية ستلقى الدعم السياسي والإقتصادي من باريس من خلال التعهد بـ "تنظيم المساعدة الدولية كي تصل مباشرة إلى الشعب اللبناني وبمراقبة أممية". وكان جارحاً ومُحقّاً بحقّ السياسيين في كلمته من قصر الصنوبر، حين وعد اللبنانيين بعدم تقديم "أموال إلى قادة فقدوا ثقة مجتمعهم".

كانت مشهدية الجميزة ومار مخايل أساسية في زيارة ماكرون لكنّها بطبيعة الحال لا تختصر الزيارة كلّها. فصحيح أنّ الزيارة الطارئة فرضها تفجير المرفأ والكارثة البشرية والاقتصادية التي خلّفها، إلا أنّ الرئيس الفرنسي حرص على وضع الانفجار وتداعياته في سياق الأزمة السياسية والمالية التي يواجهها لبنان منذ أشهر. وخلاصة موقفه أنّه "سيكون هناك ما قبل وما بعد تاريخ الرابع من أب 2020". أي أنّ الإنفجار أسّس لمسار سياسي واقتصادي دولي جديد تجاه لبنان من دون أن يعني ذلك إمكان تجاوز المسار القديم الذي يربط المساعدة المالية الدولية للبنان بتحقيق "الإصلاحات الهيكلية" المطلوبة. وليست قليلة الدلالة في هذا السياق عدم استبعاد ماكرون فرض عقوبات دولية على المسؤولين اللبنانيين الذين يعرقلون الاصلاحات، وهي عقوبات أميركية أصلاً.    

ولعلّ الترجمة العملية الأولى لهذا المسار الدولي الجديد تجاه لبنان ستكون تنظيم "مؤتمر دولي لدعم بيروت والشعب اللبناني بهدف حشد التمويل الدولي من قبل الأطراف الأوروبية ودول المنطقة غيرها". إلّا أنّ السؤال الأساسي هو عن الآفاق السياسية لهذا المسار وعن قدرة فرنسا على تحييده عن تبعات سياسة "الضعوط القصوى" التي تتبعها أميركا ضدّ إيران سواء في مجلس الأمن حيث تسعى واشنطن لحشد الدعم الدولي لتمديد خظر السلاع على إيران، أو في المنطقة التي تشهد تصعيداً عسكرياً وأمنياً كبيراً على خط المواجهة بين واشنطن وحليفتها تل أبيب من جهة، وبيم طهران من جهة ثانية. وقد تتالت في الفترة الأخيرة تفجيرات غامضة استهدفت البرنامج النووي داخل إيران، كما تواصل إسرائيل غاراتها على قواعد ايرانية في سوريا، وقد كان آخرها على قاعدة في دمشق سقط تحتها عنصر لحزب الله، وهو ما استدعى توتراً حدودياً مستمراً مع لبنان بعد توعّد الحزب بالردّ في جنوب لبنان.

هذا كلّه يلقي ظلالاً غامضة على كلام ماكرون عن "إعادة صياغة عقد سياسي جديد في لبنان"، خصوصاً لجهة طبيعة مشاركة "" في هذا العقد، وهو الذي يتعرض لضغوط أميركية متواصلة. وفي السياق لا بدّ من السؤال عن التبعات السياسية المحتملة لإصدار المحكمة الخاصة لبنان حكمها في حقّ 4 عناصر من حزب الله متهمين بتنفيذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 18 آب الجاري. فإلى أي حد يمكن صياغة مثل هذا العقد في ظلّ هذه الظروف السياسية والأمنية المعقدة؟ خصوصاً أنّه لم يعد يفصل عن الانتخابات الرئاسية الأميركية سوى ثلاثة أشهر، مع ما يعنيه ذلك من استبعاد لحلول سياسية في المنطقة قبل شهر تشرين الثاني المقبل.

لقد حاولت فرنسا مراراً في الآونة الأخيرة خلق "مسار سياسي خاص" بلبنان ولاسيّما بعد تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية، لكنّها ما نجحت في تحييد لبنان عن المواجهة الاميركية الإيرانية. مع العلم أنّ زيارة وزير خارجيتها جان إيف لودريان الأسبوع الماضي إلى بيروت عكست موقفاً فرنسياً متشددا جدّاً تجاه السلطة السياسية اللبنانية التي يشكّل حزب الله حالياً ركنها الرئيسي، ما ولّد انطباعاً أن فرنسا باتت أقرب إلى الموقف الأميركي من الملف اللبناني. فهل يقلب الانفجار الضخم هذه المعادلة؟

حتّى الآن لا جواب واضحاً، خصوصاً أنّه لم تصدر أي مواقف أميركية أو عربية تشي بتبدّل في الموقف السياسي الأميركي والعربي المتشدّد حتّى اللحظة تجاه السلطة اللبنانية وحزب الله. وسيكون من الضروري انتظار انعقاد "المؤتمر الدولي لدعم بيروت والشعب اللبناني" لتلمّس إشاراته السياسية، خصوصاً أنّ مؤتمراً كهذا من المرجّح أن يؤكّد عبثّية دعوة حزب الله إلى "التوجّه شرقاً"، وهي عبثّية أكدّ عليها استقبال ماكرون في الجميزة ومار مخايل أصلاً. فالدعم الغربي والدولي لإعادة بناء المرفأ لن يكون بلا شروط وتبعات سياسيّة، بالنظر إلى الاتهامات الغربية لحزب الله بالسيطرة على هذا المرفق الحيوي وبالنظر أيضاً إلى اهتمام الصين بالمشاركة في أعمال تطويره.

 كذلك فإنّ دعم ماكرون لـ "تحقيق دولي وشفاف" في انفجار المرفأ، يتوقّع أن يكون عنوان خلاف كبير مع حزب الله الذي يرفض مثل هذا التحقيق.   

فهل يكفي استقبال ماكرون للنائب محمد رعد في قصر الصنوبر مع رؤساء الكتل النيابة، ثم لقائه به لدقائق معدودة على "الواقف"، للاستنتاج بأنّ "العقد السياسي الجديد" ممكن التحقيق قريباً؟

المعطيات اللبنانية والعربية والدولية تشكّك كثيراً في ذلك، ما عدا حديث الرئيس نبيه برّي عن أنّ ملف ترسيم الحدود مع اسرائيل أصبح في خواتيمه... فهل بدأ عصر "المقايضات الكبرى" في المنطقة؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بعد استنزاف الاحتياطي: الدولار إلى 21 ألف ليرة؟