أخبار عاجلة

تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

عشرون عاماً والتحرير معلّق على خشبة الانقسام

عشرون عاماً والتحرير معلّق على خشبة الانقسام
عشرون عاماً والتحرير معلّق على خشبة الانقسام

إشترك في خدمة واتساب

كتب زكي طه 
 
      سيبقى تاريخ 25 أيار 2000، يوماً مجيداً في تاريخ اللبنانيين، وسيبقى حدث التحرير من الإحتلال الاسرائيلي دون قيد أو شرط، مدماكاً صالحاً من أجل بناء الوطنية اللبنانية. لا يقلّل من أهمية التاريخ والحدث، كل ما تلاهُما من أحداث وحوادث وممارسات، هي امتداد لما كان قبلها من إنقسامات ونزاعات أهلية، لم تزل تتوالى فصولاً، رغم أنها بدّدت الكثير من مفاعيل التحرير الإيجابية. 
 
       لقد كان للاجتياح الإسرائيلي العام 1982، واحتلال عاصمة الوطن وما يقارب نصف مساحته، مقدمات أبرزها عربياً، تبدل المعطيات الدولية والعربية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والاتجاه نحو تصفية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، والانتقال به إلى ما يسمى عملية "السلام". كان الأمر يتطلب شطب منظمة التحرير الفلسطينية ومصادرة قرارها الوطني المستقل، وإلحاقه بالمحصّلة العربية، بعد تبديد قواها وإخراجها من الساحة العربية الوحيدة للنضال السياسي والعسكري الفلسطيني. 
     أما لبنانياً فقد كان هدف الإجتياح، الذي حظي بتبنٍ ورعاية اميركية وتواطوء دولي وعربي غالب، إعادة ترتيب الوضع اللبناني في إطاره العربي، وتجديد إخضاعه لمعادلات الهيّمنة الطائفية والمحاصصة الفئوية، والخلاص من الحركة الوطنية بعد هزيمة مشروعها الاصلاحي. لم يكن الاجتياح الاسرائيلي سهلاً وسريعاً كما توهّمت قياداته، فمقاومة القوات المشتركة اللبنانية ـ الفلسطينية البطولية وحصار بيروت لمدة 83 يوماً وصمودها سياسياً وشعبياً وعسكرياً، شكّل صفحة مشرقة في التاريخ الوطني اللبناني والفلسطيني على السواء، كما في تاريخ الحروب العربية ـ الاسرائيلية. 
 
    وإذ نجحت الحرب الاسرائيلية في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من ، وتشيت قواها في دنيا العرب، لكن انتفاضة الشعب الفلسطيني على أرضه جدّدت حضورها قيادة وحيدة له، وحمتها من المصادرة والاحتواء والإلغاء. إلا انها وضعت لبنان امام مسارين متناقضين: الأول، محاولة إعادة تكريس معادلة الهيّمنة الطائفية الموروثة، مما أدى إلى تصاعد الانقسامات وتعدد مسارات الحرب العبثية في مختلف المناطق وساحات الطوائف برعاية ودعم خارجي. الأمر الذي استدعى لاحقاً ولدواعٍ إقليمية، وضع حد لها بقرار عربي- دولي، وإقرار تسوية "الطائف" الطائفية، التي ارتضاها اللبنانيون مقابل الحصول على سلّمهم الأهلي.
 
     أما مسار مغالبة الإنقسام والحرب الداخلية، فقد كان هدفه تحرير البلد وتوحيد اللبنانيين على رافعة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. وهو المسار الذي إطلقه الشيوعيون اللبنانيون، حزباً ومنظمة، الذين رفعوا راية المقاومة الوطنية للاحتلال، والتزموا بموجباتها صراعاً لا هوادة فيه، وقتالاً أجبر قوات العدو على الانسحاب سريعاً من العاصمة، وتباعاً من أكثر المناطق المحتلة، وعمدت إلى تحصين مواقعها في منطقتي جزين والشريط الحدودي المحتلين، في محاولة منها لربط مصيرهما، بنتائج مفاوضات السلام مع سوريا ولبنان استتباعاً بعد إسقاط اتفاق 17 أيار بكل مندرجاته الاستسلامية.
    وفي سياق انخراط  مجموعات وقوى عديدة في مقاومة الاحتلال، برز الدور الوازن والمتصاعد للمقاومة الاسلامية بدعم من النظام الايراني ورعاية سورية. في المقابل تراجع دور اليسار المقاوم إلى حد الإنكفاء التام، جراء تعرّض قواه للحصار والقمع والتضييق الامني من سلطات الأمر الواقع الميليشياوي واجهزة الأمن السوري.
 
 أما انفراد بالعمل المقاوم فإنه لم يطعن
 بجدواه، بقدر ما شكّل تزخيماً وتصعيداً له في مواجهة قوات العدو وعملائه، على رافعة فتاوى الجهاد الشرعي 
والاحتضان الشعبي في البيئة الطائفية التي ينتسب لها.
 
 كبّدت مقاومة حزب الله العدو الاسرائيلي والعملاء
 خسائر كبرى وأكلافاً باهظة، أجبرته على تنفيذ انسحاب شبه كامل بقرار منفرد دون قيد او شرط، خلافاً لرغبة الوصي السوري الذي تعامل مع المقاومة في لبنان، على أنها مجرد ورقة في مفاوضاته لاستعادة الجولان السوري المحتل. 
 
    انتهى الاحتلال لكن المناطق المحرّرة لم تعد إلى حضن الوطن. فالتحرير تحوّل ملكية خاصة، له شعبه ومقاومته ومرجعيته السياسية. وبالاستناد إلى شعار استكمال تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلتين، المتنازع على لبنانيتهما مع سوريا، تحوّلت المقاومة إلى منظومة متكاملة قائمة بذاتها في موازاة مؤسسات الدولة وبالاستقلال عنها، وقد كرستها البيانات الوزارية وفق معادلة "جيش وشعب ومقاومة". 
 
     نجح حزب الله في اقتطاع موقع رئيسي له ضمن المنظومة السياسية الحاكمة والمتصارعة على السلطة والنفوذ. وبات طرفاً رئيسياً في المعادلة التي تديرها سلطة الوصاية السورية وفق صيغة تعيد انتاج مبررات وجودها. استند الحزب إلى دوره المقاوم وبيئته الحاضنة، وما يمتلكه من جهوزية قوى وترسانة أسلحة، واستطاع منافسة حركة أمل، وانتزاع حصة وازنة من التمثيل الشيعي في مؤسسات السلطة، سواء في المجلس النيابي والحكومة، أو في الإدارة العامة وأجهزة الدولة.
 
      أما اندلاع الخلاف بين اللبنانيين بعد التحرير، وتجدد الإنقسام حول هوية البلد الوطنية وسلاح المقاومة ودور الوصاية السورية، وعلاقات لبنان العربية والخارجية. فقد أدى إلى تصاعد حدة المواجهة السياسية الداخلية والمزيد من التدخلات الخارجية العربية والأميركية، حول موقع لبنان الإقليمي والدولي مع كل ما انطوت عليه من مخاطر أمنية، كان من نتائجها إخراج القوات السورية من لبنان على رافعة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وما ولدته من ردود فعل محلية وخارجية.  
 
     وفي المحصّلة، كان التوازن مختلاً لمصلحة حزب الله وحلفائه انطلاقاً من المعادلات الاقليمية المعروفة وما يسمى محور المقاومة. فكانت له الهيّمنة على القرار السياسي والأمني، والقدرة على التحكّم بآليات عمل مؤسسات السلطة، وتعطيل الإستحقاقات الدستورية الرئاسية والحكومية، أو شل فاعليتها بما يتلاءم مع مصالحه وحلفائه في الداخل أولاً، ولاحقاً عبر الإضطلاع بأدوار ووظائف إقليمية، والتدخل في أزمات البلدان العربية المجاورة وحروبها المتفجرة، استجابة لما يقرره النظام الايراني الذي يدين له بالولاء.
 
     اما الإقتصاد المتعثّر فقد توافق الجميع على إبقائه مصدراً لتمويل الطبقة السياسية الميليشياوية الحاكمة، تتنازع وتتوزع مقدراته ومنافعه بين قواها، كما تتقاسم مؤسسات الدولة وقطاعاتها الخدماتية لتعزيز مواقع نفوذها وتجديد بُناها باسم حقوق الطوائف والميثاقية والتوافقية وما شابه من مصطلحات. لكن الإمعان في هذا المسار الذي حكم البلد انتهى به محاصراً سياسياً واقتصادياً ومالياً وصولاً إلى الانهيار الكارثي مجهول النهاية.  
 
    عشرون عاماً على التحرير، والبلد مرتهن للخارج، وأسير انقسامات أهله حول الهوية الوطنية وعلاقته مع محيطه وتركيبته الداخلية. حقوق الطوائف مقدّسة ولا قواسم مشتركة بين اللبنانيين، والمصلحة الوطنية كما "الوطنية" مجرد وجهة نظر يحددها كل طرف منفرداً وفق مصالحه، وتُهم التخوين والعمالة تتقدم على ما عداها. أما الدولة الوطنية الجامعة فلا مكان لها لدى قوى السلطة وأهل الحكم، المتصارعين، على وضع البلد تحت وصاية صندوق النقد الدولي وشروط السيطرة الاميركية، أو تكريس وضعه في خدمة نظام الاستبداد السوري والمحور الإيراني. وأمام مخاطر كلا الخيارين، يبقى السؤال برسم اللبنانيين وقوى الانتفاضة، هل من مكان وأفق لولادة وطنية لبنانية جامعة ومستقلة، تجدد الأمل ببقاء البلد ودرء المخاطر المحدقة به كياناً وشعباً ووحدة وطنية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الصفعة التي صرعت حكومة دياب أمام المجتمع الدولي