أخبار عاجلة

فلسفة كورونا من منظورٍ سوري

فلسفة كورونا من منظورٍ سوري
فلسفة كورونا من منظورٍ سوري

إشترك في خدمة واتساب

يطرح تحدّي فيروس سؤالًا أخلاقيًا أكبر من أن نقوم بترحيله، لأنه سؤالٌ قَلقٌ و"زَنّان". وربما يُشكِّل التفكير في هذا السؤال الأخلاقي حَلًا لملء الفراغ الناتج عن البقاء في المنازل، الذي يشكو منه كثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام. وخصوصًا أن التفكير في الأسئلة الأخلاقية، يحتاج إلى العزلة أحيانًا، بقدر ما يحتاج إلى الاجتماع؛ فالعزلة ضروريةٌ لفهم قيمة هذا الاجتماع من جهة، وضرورية للعقل ليبدع إجاباتٍ رصينة وصحيحة على التساؤلات الكبرى من جهةٍ أخرى. ولكي نبدأ بتحديد هذا السؤال، نضع له المدخل الآتي: 

يتيح كورونا لنا أن نشهد أزمةً كونية فاقعة، تشبه ظاهرة اقتراب كوكبٍ كبيرٍ من الأرض، فإن لم يصطدم بها (وهذا الأكثر واقعية)، فإنه يبقى ظاهرةً لا تتكرر كثيرًا، وربما يعيش المرء حياةً كاملة، ولا يشهد مثلها. وتبدو لحظات كورونا مع البشرية مُغريةً في خصوصيتها، بما هي لحظات مكثَّفة أخلاقيًا، يبرز فيها دور الفرد في حماية الجميع، ودور الجزء في الكل. وكأن الحياة الإنسانية في مأزقٍ أكبر من مأزق حياة الفرد الإنسان، فتستجديه في مشهدٍ كان يبدو غيرَ مألوفٍ، إلا على سبيل اللهو المُفرط في السوريالية، أو في الإبداع في تَخيُّل أشكالٍ للموت في سيناريوهات ومشاهد، تكون غايتها زيادة الإثارة والتسلية: كالموت في فيلم سينمائي، أو رواية، أو حكاية ترويها الجدات. في العادة، ما أن ينتهي الفلم، أو حكاية الجدّة، حتى ندرك أنها ليست أكثر من حكايات، ولا شيء مُخيفاً فيها، أو مُحزناً، لأنها تنتمي إلى عالم الخيال. أي أننا ندرك أنَّنا كُنَّا فوق الواقع، وأننا نَتسلَى، وأن من مات، ومن قَتلهُ، وكل شيء لا يتعدّى الخيال؛ فنهدأ ويخجل الأدرينالين من الجسد بعد أن يصدمه العقلُ بلا جدوى إفرازه، فيبدأ في الانحسار، ويتلاشى تأثيره، وينتج عن وجوده المتبوع بانحساره على هذا النحو، قيمةً جماليَّةً مُعينة، وشعورًا بالاستمتاع.
ربما يكون في هذا المدخل أيضًا شيءٌ من الدراما، فالفيروس أضعف من أن يتحمّل كل هذا 
"لن تتوازن الإنسانية أيضاً ما لم توسع حربها ضد كورونا، وبالشراسة نفسها، لتشمل الأمراض الخطيرة"
التهويل في الحقيقة. ولكن ربما هو التعبير عن احترام الأموات الذي يتخذ، في أحد معانيه، أشكالًا سورياليةً، كما يتخذ أشكالَ دفنٍ مختلفة. ويصبح هذا التعبير بهذا الشكل الدرامي مبرّرًا أكثر عندما يقترن بحقيقة أننا، نحن السوريين، لم نكن في السنوات التسع الأخيرة قادرين على دفن أمواتنا في أحيانٍ كثيرة. ولذلك لدينا تجربة مع نوعٍ آخر من الأدرينالين الذي لم يجد مبررًا يجعله يخجل من أجسادنا، ومن أجساد من يشاهد مآسينا في فيلمٍ مرشحٍ لجائزة الأوسكار يصور عذاباتنا، لأن آلامنا وحكاياتنا كانت واقعية، ظلت قادرةً على تزويد الأدرينالين بمسببات البقاء، وانجبل فيها الواقع باللامعقول، بعد أن صبغها بالتراجيديات التي لم نتصوّر أنها قابلة لتكون واقعًا: مثل فغر بطون الحوامل، وحرق الإنسان حيًا، ونبش القبور، وإلى ما هنالك من أشكالٍ للموت في قائمةٍ تصبح كلَّ يومٍ أطول.
كما يحدث في أي فيلمٍ خيالي، يمكن للمُشاهد أن يرى موت الأطفال، وصراخ الثكالى، واليتامى، والرعب، وصوت النحيب المجبول بالغضب، في فيلم "إلى سما" للمخرجة السورية وعد الخطيب (مثلًا)، والذي صوّرت لقطاته في حلب في أثناء الحصار والقصف. ولكن الخاص هنا هو أن المُشاهد، ما أن يقول انتهت الحكاية، ويستعد لممارسة عادته في الاستمتاع بجرعة أدرينالين لم تجد مبرّرها الواقعي، حتى يصطدم بالحقيقة المُرّة التي تقول له: هذا الموتُ حقيقة، بل هذا القتل حقيقة. بالاستناد إلى هذه الحقيقة بالتحديد، نضع السؤال الأخلاقي الذي يستنفر العقل أمام الكثير من التفاعل، والقليل النسبي من الموت، الذي يسببه كورونا. فمن يعرف الموت عن قرب يتعاطف مع أي مصابٍ بالفيروس، ومع عائلته، وأصدقائه، ومحبيه، ويدعم من كل قلبه كل مجهودٍ لاحتوائه مهما كان؛ ويبذل ما في وسعه لوقف انتشار الفيروس، ويتمنى تطوير علاج ولقاح لمساعدة البشرية؛ ولكنه أيضًا، وبالحماس نفسه، يتعجب عندما يعقد المقارنة بين تفاعل الإنسانية مع قتل الإنسان الإنسان من جهة، وتفاعلها مع قتل الطبيعة له من جهة أخرى.
هكذا نبدأ بتقليب الموضوع، وبإثارة التساؤلات في المساحة التي تبدو اليوم أكثر وضوحًا، وأقل حجمًا، والتي تقع بين كرامة الحياة الإنسانية والكرامة الإنسانية، فهذه المساحة المجرّدة تتعين اليوم في المنطقة الواضحة التي تقع بين سباقي اللُقاح والسلاح، اللذين يشكِّلان اليوم مادتين متساويتي الأهمية، في نشرةِ أخبارٍ واحدة. ويبدو أن هذا التمييز بين كرامة الحياة الإنسانية المحفوظة في هبَّة العالم لحرب كورونا والكرامة الإنسانية المهدورة في سورية، ينعكس في فينومنولوجيا العلاقة المُحمَّلة بالعواطف والمشاعر التي تخالجنا إزاء الموت في النوازل. وعلى صعيدٍ ذاتي جدًا، يجعلني هذا التمييز اليوم على أتم الاستعداد لمراجعة قناعتي بصحة الحدود الصارمة التي تم وضعها بين الذاتي والموضوعي: فأمام مشهدين مختلفين لشكل الموت (الأول في سورية بفعل النظام وروسيا وإيران ومليشياتها، والثاني في العالم كله بفعل كورونا)، يبدو لنا أن العِلم الموضوعي لم يعد كافيًا لبناء الحقيقة، من دون بناء الحدس الإنساني المُشترك، وهذا الأخير مفهومٌ أخلاقي ذاتي مستقل.
وللمرء اليوم، وفي هذا الوضع المأزوم، أن يتساءل حول التوجهات الأخلاقية الكونية القابعة خلف 
"الأخلاق لا تضمن لأي جماعة إنسانية حرية أن تكون لها حياتها الخاصة بها، إلا إذا كان تطبيق الضوابط الكونية لا يحد من مشاريع الحياة الخاصة لأي جماعة أخرى"
هذا المشهد العالمي. ويكتسب هذا التساؤل مشروعيته من الحقيقة التي يبرهن عليها كورونا كلّ يوم، وتفيدنا بأن الأخلاق لا تضمن لأي جماعة إنسانية حرية أن تكون لها حياتها الخاصة بها، إلا إذا كان تطبيق الضوابط الكونية لا يحد من مشاريع الحياة الخاصة لأي جماعة أخرى، بل حتى لأي فردٍ آخر. يعني ذلك أن الحرية، وفق معيارٍ أخلاقي كوني، لن تتحقق، وستظل مهدّدة بعدوى مُميتة، ما لم يتحقق مشروع كل شعوب العالم في الحرية والعيش الكريم، وما لم يتحقق مشروع السوريين، وحقهم في الحياة والحرية والكرامة. وهذه ليست مبالغة، هذا درسٌ يفيد بأن توازن الإنسانية واستقرارها مرهونان بتوسيع الحرب على كورونا، لتشمل الظلم، وثقافة القبول به لمصلحة محلية ضيقة، في أي بقعة من العالم، وعلى الأساس الأخلاقي ذاته، فلا يمكن للقيم الكونية أن تظل تجريدًا، بل عليها أن تراعي مواقف حياة الجميع، ومشروعاتهم، وتطلعاتهم الفكرية، وهذا ما يتم بموجبه قياس مفهوم الأخلاق. ومفهوم الأخلاق هو الذي يجعل الفردنة والكونية متقاطعتين، وعند غيابه يصبح الكون المسكون بالناس "كونًا لا يُحتمل"، بتعبيرات الفيلسوف الألماني يورغون هابرماس الذي حدّد سابقًا الأخلاق تحديدًا جميلًا ومهمًا، فيقول إن "الأخلاق هي المسائل التي تهتم بواقعة العيش معًا في معايير قويمة"، فوضَعَ للأخلاق مكانتها في شكل حياة تكون اللغة بنيتها، بحيث تشكل البشرية جماعةَ تذاوتٍ غيرَ مُكرهةٍ عليه.
وأخيرًا، لن تتوازن الإنسانية أيضًا ما لم توسع حربها ضد كورونا، وبالشراسة نفسها، لتشمل الأمراض الخطيرة التي تقتل الناس بكثرة أيضًا، ولكنها لا تتمتع بالشهرة نفسها، لأنها غير مُعدية، كالسرطان؛ ولتشمل أيضًا أمراض الفقراء التي ما زالت تتفشّى بينهم من دون أن تستثمر شركات الأدوية في تطوير علاجٍ لها نظرًا إلى عدم قدرة الفقراء، وعدم قدرة حكوماتهم (أو عدم رغبتها) على دفع تكاليف هذه العلاجات، مثل أمراض الملاريا، والإيدز، والسل، والتهاب الكبد الوبائي، التي ما زالت منتشرة في مناطق كثيرة في أفريقيا وفي وسط آسيا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مظاهرة ضد كورونا