أخي المصلوب على الجرّافة

أخي المصلوب على الجرّافة
أخي المصلوب على الجرّافة

إشترك في خدمة واتساب

المصادفة التي تقرّر أن تضعني في مواقف لا يحتملها قلبي يجب أن ألعنها ألف مرَّة، فربما لو رويت هذا الموقف لأحدٍ لاعتقد أنَّ الخيال قد شطح بي؛ لأني كاتبة، وقد أحكمت اختلاق هذه الحكاية الموجعة. لكنها المصادفة اللعينة، أقسم لكم، ولا شيء غيرها، خروجي على عجلٍ من البيت، واتخاذي قرارًا سريعًا بأن أسلك طريقًا غير الذي اعتدته؛ كي أصل إلى مبغاي في وقت أسرع. وهكذا وجدتُ نفسي في الكرسي الخلفي لسيارة أجرةٍ عتيقة، وأنا من هُواة ركوب سيارات الأجرة العتيقة؛ بحثًا عن حكايات مدينتي الحزينة من الفقراء والطاعنين في السن، ولكني لم أصادف حكاية أكثر حزنًا من التي وجدتُها إلى جواري، في المقعد الخلفي.

كان السائق قد أدار مؤشِّر المذياع على قناة محلَّية، وصوت المذيع يصف بكلِّ دقّة حادثة قتل أحد الشباب في غزة، ويكرِّر رواية الحدث. وفي كلِّ مرَّة، يأتي بتفصيل مؤلم، حتى قال: هذه الحادثة تشبه حادثة مقتل الفتى محمد الدرّة، وهو في حضن أبيه، والتي كانت سببًا في اندلاع انتفاضة الأقصى.
وفيما كانت مشاعري مشدودةً نحو المذياع المثبّت بـ"تابلوه السيارة"، وتساءل الراكب في المقعد الأمامي، وكان أربعينيًّا، عن توقيت وقوع هذه الحادثة، فأنت في كلِّ ساعة على موعدٍ مع حدثٍ جديدٍ في غزة، اكتشفت أن الشابَّة التي تجلس إلى جواري، وهي تحتضن رضيعًا لم يتجاوز عمره شهوراً، تبكي. انتزعني بكاؤها من متابعة صوت المذيع، وبدأ خيالي (تبًّا له) ينسج قصة حزينة عن سبب بكائها، كأن يكون مشادَّة مع زوجها. تنهّدتُ، وتذكرت المرَّات التي كنتُ أخرج فيها هاربة من المنزل، بعد عراكٍ مع زوجي، وقلت لنفسي: يجب أن أتركها تنفِّس عن حزنها وألمها، البكاء مفيدٌ في تلك الحالات، وقرَّرتُ أن أعود إلى سماع الراديو، وصوت المذيع يكرِّر وصف الحادثة، حين تعالى نشيج السيدة، فالتفتُّ إليها، ورأيتها تلطمُ على وجهها، وتبكي بكاء مُرًّا.
كان وجهها لا يوصف، ولكن الدموع أغرقته؛ فلم أجد بُدًّا من السؤال: ما بك يا بنتي؟ فبكت أكثر، وألححْت عليها بالسؤال، وألحقتُ أحد أسئلتي بجوابٍ محتمل: هل طفلك مريض؟ وأنا أشير إلى الطفل، وأُهيّئ نفسي لكي أحمله بدلًا عنها؛ لأنها بدأت تنهار، وتتراخى. لكنها قالت، وهي تضمُّ طفلها إلى صدرها، وتشير إلى جهاز الراديو المثبَّت بالسيارة: الشابُّ الذي يحكي عنه المذيع... أخي.
لفَّ السيارة صمتٌ عميق، ثم قطعه صوت الراكب، في المقعد الأمامي، وهو يحوقل، فيما تعثّرت الكلمات على لساني، وناولني السائق علبة مناديل مغلقة، يحتفظ بها لمناسبةٍ جِديَّة؛ فلم يضعها في متناول يد الرُّكَّاب، وطلب منِّي أن أعطيها بعض المناديل؛ لكي تجفِّف دموعها. بكت السيِّدة الشابَّة بحرقة، ولطمت خدَّيها بصمت، فيما طلب منها السائق أن تصف له وجهتها بدقَّة، واتضحت الصورة أمامي، فقد بلغها خبر مقتل أخيها، وها هي تحمل رضيعها، وتهرع إلى بيت عائلتها.
توقفت السيارة أمام باب بيت متواضعٍ من بيوت المخيَّم، ونزلت السيدة لا تلوي على شيء، وتركتني في ذهول، أمام مشاعر مختلفة، فيما كان المذيع يعاود وصف الأحداث، عن شابٍّ رفعته الجرَّافة، بعد محاولات لذلك، وكأنه حمولةٌ إسمنتيةٌ ملقاةٌ على الأرض، وليس إنسانًا من لحم ودم.
كان الوصف مؤلمًا، ومنظر السيدة التي كانت إلى جواري أكثر إيلامًا؛ لأنها سمعت المذيع، وهو يصف موت أخيها البشع، كيف تحوَّل أخوها إلى حمولةٍ جامدة! وكيف حاول سائق الجرَّافة أن يرفعه مرَّاتٍ عدَّة، وفي كل مرَّة، كان يمزِّق من لحمه، ويسقط في مرَّات، أرضًا، ويتعفَّر بالرمال. هذا الشابُّ الذي كان يحبُّ أخته كثيرًا، وأوَّل من يفتح عليها باب بيتها، يوم العيد، ولها معه ذكرياتٌ كثيرة جميلة وحزينة، فهما ربيبا بيتٍ واحد، بيت صغير متواضع على أطراف المخيَّم، سوف يخيِّم فوقه الحزن إلى الأبد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مظاهرة ضد كورونا