أخبار عاجلة
فهمي: الوضع الاقتصادي سيئ لكن “كورونا” أسوأ -

"فلفل أزرق" .. جديد محمد الحارثي

"فلفل أزرق" .. جديد محمد الحارثي
"فلفل أزرق" .. جديد محمد الحارثي

إشترك في خدمة واتساب

صدر، قبل أيام، كتاب "فلفل أزرق"، وهو الجزء الأخير من ثلاثية في الرحلة، للكاتب العماني محمد الحارثي، الذي غادر دنيانا قبل أن يرى كتابه هذا مطبوعاً. فبعد "عين وجناح" عن أشتاتٍ من مدن زارها، و"محيط كتماندو" الذي ركز فيه على نيبال، يسرد، في هذه الرحلة، يوميات إقامته في جزيرة سيلان أو سيريلانكا، أو سرنديب كما سمّاها العرب والمسلمون قديما. "ليس غريبا أن تُدعى جزيرة سيلان "دمعة الهند". 

والكتاب يوميات مستقطعة، مشحونةٌ بمعلوماتٍ ومكاشفاتٍ وانطباعاتٍ مقرونةٍ بالتجربة، يقدّمها الكاتب بلغةٍ تتلفّع برداء الشعر، ولا تتعالى عن الحوار والإصغاء لأدق تفاصيل المكان والناس. إلى جانب اجتهادٍ بحثيٍّ، يتعلق بمعلوماتٍ تحمل طابعا علميا، مثل حديثه عن شجرة فاكهة الخبز المنتشرة التي تُسمن من جوع، وعن طرُق استعمالها في الجزيرة وفوائدها، إلى حد اعتبار أن يعتبرها علماء التغذية "طعام المستقبل، لخصائصها المفيدة".
تفتح الرحلة بتفاصيلها الجديدة أمامنا السؤال عمّا يمكن أن تمثّل التجربة، وليس القراءة، في معرفة العالم. إلى جانب سؤال السفر بغرض الكتابة عن الرحلة، الأمر الذي يعزّز الأهمية لمثل هذا النوع من الكتابة. ويكفي في هذا السياق أن نستحضر، مثلا، ما قدّمه ابن فضلان في رحلته النادرة إلى شمال أوروبا، وما قدّمه الرحالة الأشهر ابن بطوطة، من تفاصيل عن الهند والصين والبلدان التي عاش فيها أو أقام فيها، إلى جانب كشوفات كل من المقدسي والمسعودي.
وفي سياقات كتاب "فلفل أزرق"، يسرد الحارثي مواقف تكشف الطباع والنفسيات التي يستحيل الحصول عليها في منأى عن المعايشة والإقامة، مثلا تفاصيل قصّة تعرّفه على الأسترالي جيمس، المقيم في سيريلانكا، مما قال عنه: "جيمس رجل ناضج ومتفتح ويدين العنصرية، منتقد لسياسة الغرب تجاه بلدان الشرق الأوسط والبلدان الأفريقية، كما أنه يرى أن الفقر الذي وجد الأفارقة أنفسهم فيه عائدٌ لتركة الحقبة الاستعمارية، وعلى الدول الغربية التي نهبت ثروات أفريقيا ألا تندهش من كثرة المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون العيش في أوروبا". فإلى جانب المعلومات العامة، من قبيل "في هذه البلاد، يتعايش المسلمون والمسيحيون والهندوس والكثرة الكاثرة من البوذيين في وئام وانسجام، بل إنهم يختلطون لتأكيد هذا المزيج الفريد بالزواج". هناك أيضا التقاطات العين الواصفة: "ثمّة فرقة دينية من أربعة أفراد بملابس مميزة يعزفون موسيقاهم الدينية الصدّاحة في بهو المعبد. استوقفتني تراتيلهم الشجية، وتناغم موسيقى آلاتهم وأصواتهم المُسبِّحة بجلال بُوذا، لدرجة أنني في البرزخ الفاصل بين التذكّر والنسيان حسبت نفسي أستمع لإنشاد إحدى الفرق الصّوفية".
نلحظ أيضا طرافة الحوار: "ضحك ماركوس وقال: مستر محمد لِمَ تُبالغ؟ أنت تعرف أن طعامنا معتدل في استخدام الفلفل والبهارات، قياسًا إلى جيراننا الهنود الذين يضعون الفلفل حتى في أكواز الآيس كريم!". إلى جانب عدم خلو الكتاب من معلوماتٍ سياحيةٍ عديدة: "وجبة الكاري، بكافة أصناف عناصره، لا تقدّم على صينيّة أو أطباق، بل على ورقة موز خضراء يانعة تُفرش عليها مكونات "البوفيه" الذي يُكلف أقل من دولار واحد!"، إلى جانب ذلك التمازج بين الوصف البانورامي الشمولي والوصف التقريبي المحايث، ذلك كله يقدّمه الحارثي في جمل محقونة بماء الشعر، ومربوطة بتسريدٍ حكائيٍّ من شأنه أن يمنح المشاهد السّاكنة روحا نابضة بالحياة: "القاعة بمقاعدها الخشبية، سقف التشينكو، المراوح المتدلية من شاهق، حيطان الآجرّ الأحمر التي كانت رافعة للسقف. والطبول الطولانية التي عزف على إيقاعها خمسة راقصين بالملابس التقليدية المزركشة، يتناوبون العزف تسارعًا وتباطؤًا بأسلوبٍ يحبس الأنفاس؛ لدرجة أنهم كانوا يحرّكون إيقاع الجمهور، قدر تحريكهم الساحر لإيقاع حركة الراقصين والراقصات في تفاعل روحيّ نادر، لم أر مثله انسجامًا على خشبة المسرح".
وحفل الكتاب بهوامش توضيحية، في أسفل بعض الصفحات، لا تخلو من طرافة: "شاهدت في برنامج وثائقي عن سريلانكا بثّه التلفزيون العُماني مقابلة مع بحّار عُماني عجوز استوطن سريلانكا وتزوج وأنجب فيها، وهو يحمل الجنسية السريلانكية. يتحدث السنهالية والتاميلية والهندية والسواحيلية بطلاقة. الغريب أن المذيع دعاه للعودة إلى وطنه الأمّ، فردّ عليه البحار العجوز: الآن؟.. بعد كل هذا العمر".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مظاهرة ضد كورونا