الكرد وحكومة العراق المقبلة

الكرد وحكومة العراق المقبلة
الكرد وحكومة العراق المقبلة

إشترك في خدمة واتساب

راقب كرد العراق بحذر ما جرى على مدى الأشهر الماضية من حركة احتجاجية واسعة، تركزت في بغداد والمحافظات الجنوبية، فقد كان وضع إقليمهم ذي الحكم الذاتي في شمال العراق جيدا نسبيا في ظل حكومة عادل عبد المهدي، وهو حليف قديم للكرد، جاء إلى رئاسة الوزراء بعد نوري المالكي وحيدر العبادي اللذين دخلا مواجهات سياسية معهم، ومارسا سياسة الضغط الاقتصادي، بل والعسكري أحيانا، والتي أدت إلى أن يمر إقليم كردستان بأزمات اقتصادية معروفة. وعلى الرغم من أن الاحتجاجات التي انطلقت في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي جرت في مناطق ذات غالبية شيعية، إلا أنها امتلكت بوضوح منطلقات وطنية عراقية جامعة عبرت عنها برفع شعار "نريد وطن"، وبتركيز الاحتجاج والرفض لمركب الطائفية - الفساد الذي ينخر الحكومات والعملية السياسية في العراق. من ناحية الإنجاز السياسي، لم تؤد التظاهرات سوى الى استقالة عبد المهدي، بعد دعوة من المرجعية الدينية الشيعية، وتكليف رئيس الوزراء الجديد محمد توفيق علاوي بتشكيل الحكومة، وقد تعهد بتشكيل حكومته بعيدا عن المحاصصة الطائفية والسياسية، لكنه تعهد غير واقعي، فعلاوي نفسه قادم من رحم تلك المحاصصة، لا من المبادئ الجديدة التي حاولت التظاهرات تأسيسها، وها هو يصطدم بتعقيدات الوضع السياسي الطائفي، وتحديدا الجانب الكردي منه. 

من غير تعريف واضح للفكرة الوطنية الجامعة التي أحيتها التظاهرات عاطفيا، لكن من غير
"تقوم سياسة الولايات المتحدة على دعم بقاء العراق موحداً، مع بقاء الوضع الخاص لإقليم كردستان"
 منهج عملي لتنفيذها، ومن غير برنامج محدّد للتعامل مع معضلة المحاصصة سياسيا، كان من المتوقع أن يتم الاصطدام بالخصوصية الكردية، وهي خصوصية عاشت مع دولة العراق الحديثة منذ تشكيلها قبل مائة عام. غالبا ما يتم النظر إلى الهوية الكردية بصورة غير دقيقة، حينما تتداخل مع التصنيف الطائفي في العراق، إذ تشارك الأحزاب السياسية الكردية في لعبة السياسة العراقية، وفق قواعدها الطائفية، لكن القضية الكردية هي طبعا قضية قومية. وإذا كان الدستور العراقي قد أقر النظام الفيدرالي معترفا بإقليم كردستان، وبالحكم الذاتي الذي يتمتع به، فإن الكرد لم يتخلوا أبدا عن حلمهم بالانفصال عن العراق، وتأسيس دولة مستقلة. في المقابل، ينظر كثيرون من عرب العراق بعدم ارتياح للعلاقة مع الكرد، إذ يعتقدون أن نظام المحاصصة يعطي الأحزاب الكردية مكاسب كبيرة من موارد العراق النفطية التي تتركز في الجنوب، فيما يصدر إقليم كردستان النفط الموجود في أراضيه بعيدا عن سيطرة بغداد المباشرة. لذلك فإن الغضب في حركة الاحتجاج الشعبي في المناطق الشيعية لا ينصب فقط على الأحزاب الشيعية، لكن على تلك الكردية والسنية أيضا، ولكن مناطق المواجهة وطبيعة توزيع القوى جعلت طابع المواجهة الميدانية العام شيعيا - شيعيا. أما الجماهير الكردية التي كانت لها احتجاجاتها في سنوات مضت ضد الوضع في إقليم كردستان، فهي أيضا حذرة، مثل القادة الكرد من نتائج ما يجري في بغداد والجنوب، إذ إنه يحصل بعد الأزمة الاقتصادية التي أدّت إلى عجز حكومة كردستان عن دفع مرتبات في قطاعها العام المتضخم لسنوات، ولم تنته إلا مع حكومة عبد المهدي.
تقوم سياسة الولايات المتحدة على دعم بقاء العراق موحدا، مع بقاء الوضع الخاص لإقليم كردستان، لكن وحدة القوى الشيعية في مجلس النواب العراقي خلف قرار إخراج القوات الأميركية وقوات التحالف الأخرى من العراق أدت إلى بروز خيار إقليم كردستان بديلا لإعادة انتشار القوات الأميركية. وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تراجعت أخيرا عن إلحاحها في تنفيذ القرار، وأعادت التعاون مع القوات الأميركية، فإن القضية لن تنتهي بسرعة، وقد برزت مؤشراتٌ على أن الولايات المتحدة تتجه فعلا إلى إعداد البديل الكردي، مع خططها لبناء قواعد عسكرية جديدة في إقليم كردستان، واحدة منها في مدينة حلبجة، قرب الحدود مع إيران. ربما يضع هذا الكرد في موقف محرج مع إيران التي يتمتعون بعلاقات تاريخية معها، لكن الأمر يعتمد على درجة التنسيق والتفاهم مع الطرف الأميركي، وقد كان الكرد بارعين دائما في بناء علاقة وثيقة مع كل من طهران وواشنطن.
تأتي التطورات أخيرا مع صعود جيل جديد من القادة الكرد إلى قيادة الحزبين الرئيسيين 
"الغضب في حركة الاحتجاج الشعبي في المناطق الشيعية لا ينصب فقط على الأحزاب الشيعية، لكن على تلك الكردية والسنية أيضا"
المسيطرين على إقليم كردستان، فبعدما غادر رئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، منصبه محتفظا بزعامته الحزب الديمقراطي الكردستاني، جرى الاتفاق على أن يصبح صهره وابن أخيه، نجيرفان البرزاني، رئيسا للإقليم، بينما يتولى نجله مسرور مسعود بارزاني رئاسة حكومة الإقليم. أما الحزب الكبير الآخر، حزب الاتحاد الوطني، والذي كان يعاني فراغا رئاسيا بعد وفاة رئيسه جلال طالباني، فقد اختار أخيرا هو الآخر قيادة مزدوجة، تتمثل بنجل جلال، بافل طالباني، ولاهور شيخ جنكي، وهو ابن أخ جلال. العلاقة بين الحزبين في العموم جيدة، وهما يتشاركان موارد الإقليم والمبالغ المخصصة له من الحكومة الاتحادية في بغداد.
القادة الجدد كما هو واضح جيل جديد من العائلات نفسها التي تسيطر على قيادة الحزبين. تلقوا تعليما عاليا في دول غربية، وهم يتحدثون الإنكليزية بطلاقة، لكنهم لا يتحدثون العربية بالطلاقة نفسها، إذ نشأوا بعدما انفصل الإقليم عن بغداد. يتفاوضون مع محمد علاوي، ويرفضون توجهه الأولي، بمحاولة منعهم من ترشيح من يشغل المناصب المخصصة للكرد في الحكومة وفق نظام المحاصصة. لن تكون اللغة العربية عائقا أمام القادة الكرد الجدد، بل سيعتمد حصولهم على أهدافهم على حواراتهم مع القوى الخارجية، وتحصيل الدعم منها في مقابل رئيس وزراء مكلف، هو مثل من سبقه، غير قادر على الشروع بمهمة كبرى، مثل توحيد الجانب العربي من العراق، فهو حتى لم ينجح في إجراء حوار مثمر مع المتظاهرين، ولا يبدو مؤهلا للقيام بمهمة إنهاء المحاصصة والفساد اللتين ثار المتظاهرون ضدهما.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مظاهرة ضد كورونا