الموت ينتصر دائماً

الموت ينتصر دائماً
الموت ينتصر دائماً

إشترك في خدمة واتساب

ها أنا ذا أغمض عيني، وأنا مستلقية على كنبتي في بيت مستأجر في القاهرة، وأترك لأحلام اليقظة أن تفصلني عن المكان والزمان، وتلقي بي إلى الوقت المفصول عن الزمن، حيث أرى نفسي في شارع العابد في قلب دمشق. أدخل إلى مقهى الروضة، ألتقي خليل وأميرة وخضر وحازم وشكران، نشرب القهوة، ونمارس قليلا من النميمة المعتادة، ونثرثر في شأن الثقافة السورية ومعاركها التافهة مع بعض الأصدقاء، ثم ننطلق إلى الغداء في مطعم اسكندرون في تقاطع العابد مع شارع الباكستان. نقرّر في لحظة، ونحن نقترب من المطعم أن نحمل أشياءنا معنا ونعرّج على بيت بندر عبد الحميد، من دون أن نخشى عدم وجوده، فباب الغرفة مفتوح دائما، وإن لم يكن هو موجودا فحتما هناك زائر ما، قد يكون غريبا عن دمشق، وقد يكون أحد معارفنا. سنجد بندر، وسيستقبلنا بتلك الابتسامة الهادئة التي لا تفارق وجهه الطيب، (هل من قبيل المصادفة أنه أطلق اسم الطيب على أكبر أبنائه؟). سيُمازحني، كعادته، عن بداية مراهقتي، حين كان يزور والدي مع الأصدقاء في سبعينيات القرن الماضي، وسأقول له: لقد كبرنا، يا بندر (ربما أستبدل كبرنا بمفردة "هرمنا")، وسقطت أحلامنا كلها وفقدنا كل شيء. وسيعض على يده الموشومة بلونٍ بدوي لافت، بينما يترك لصمته الحزين كالحداء أن يفرش علينا غطاءه، فنرتجف من الحزن والحنين، وسأفتح عيني، في تلك اللحظة، لأعود إلى زمني، حيث أستلقي على كنبتي في بيتٍ مستأجر في القاهرة، وقد هرمتُ فعلا، وقست يد الزمن على جسدي وقلبي. 

مات بندر عبد الحميد، مات وحيدا حزينا من دون أن يجد من يسعفه حين أصابته أزمة قلبية. ماتت شكران الإمام أيضا قبل سنوات، وحيدة وحزينة كما كانت دائما. مات أصدقاء عديدون في دمشق وفي بلاد العالم. ماتوا من الوحدة ربما أو من الحزن، لا فرق أبدا، بينما يعيش حازم في شقّة صغيرة في باريس، وخضر في إحدى مدن ألمانيا، أما أميرة التي تعيش في مدينة السويداء، فهي لم تزر دمشق منذ مطلع عام 2011. وحده خليل ينتقل بين بيته في شارع العابد ومقهى الروضة في الشارع نفسه، يلتقي أصدقاء آخرين، لا نعرف كثيرين منهم، نحن أصدقاؤه القدامى، ويدوّن يوميات الحرب والقهر والحزن في دمشق التي تهشمت فيها الحياة والثقافة والفرح والحزن، تهشم فيها كل شيء، ربما وحدها الكتابة هي من ينقذ خليل، والأصدقاء الذين بقوا هناك.
مات بندر عبد الحميد، دفن في مقبرة نجها (مقبرة المجهولين). سندفن جميعا في مقابر المجهولين، حيث لا أوطان لنا، "الوطن هو حيث توجد قبور أحبابك". من رافقه إلى رحلته الأخيرة؟ ما هو مصير تلك الشقّة النادرة في شارع الباكستان، بأرشيفها الطويل وبذاكرة جدرانها وبلاطها؟ عرّج المئات على تلك الشقة، وسمعت جدرانها نقاشات في الثقافة والسياسة بمختلف لهجات بلاد العرب. كتب أصدقاء ومعارف كثيرون عن تلك الشقة إثر رحيل صاحبها، وكأن شخصية بندر عبد الحميد تماهت معها، كتبوا عنها أكثر ما كتبوا عنه، هل تصنع البيوت أصحابها؟ وهل يصبح الناس بيوتهم؟ يقينا أن: لا، لم يصنع بندر عبد الحميد بيتا فقط، بل صنع دمشق خاصةً به، هو البدوي القادم من الحسكة إلى عاصمةٍ مركّبة طبقيا ومناطقيا وسياسيا وثقافيا. كان لا بد، بشخصيته التي تبدو من الخارج متحفظة ومتوجسة، أن يصنع مكانا يشبه داخله، مكانا كريما رحبا متسامحا متقبلا لجميع الاختلافات، هل هذا ما جعل الجميع يتفقون على محبّته لحظة انتشار خبر رحيله؟ الجميع الذين يختلفون، ليس فقط في السياسة والانتماءات، بل ربما يتحاربون بسبب الاختلاف على شكل اللباس.
"كيف هي حياتك في القاهرة وكيف وضع قلبك بعد العملية؟" سألني بندر حين قابلته مصادفة في شارع الحمرا في بيروت قبل عامين. حكيت له قليلا عن حياتي هنا، وأخبرته أن قلبي عاد إلى الخفقان بشكل طبيعي، وما زال يبحث عن الحب، لكنه يخذلني قليلا كلما تذكرت دمشق. قال لي، بلهجته المختلطة بين البدوية السورية والعراقية (حتى لحظة رحيله ثمّة أصدقاء كانوا يظنونه عراقيا): "حاولي أن تنسي كي يبقى قلبك سليما، لم يعد في دمشق ما يستحق الحنين، عيشي ولا تدعي الوحدة تنهش قلبك".. الوحدة أتلفت قلب بندر عبد الحميد، بينما ثمّة من يحتفل بـ"النصر" في دمشق الحزينة، من دون أن ينتبه الساذجون منهم أن الموت هو المنتصر الوحيد، وأن الموتى وحدهم من يرون بريقه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مظاهرة ضد كورونا