فيلما "الأوسكار"

فيلما "الأوسكار"
فيلما "الأوسكار"

إشترك في خدمة واتساب

أحرز الفيلم الكوري الجنوبي "باراسيت" لمخرجه يونغ جون هو، أخيرا، جائزة الأوسكار لأفضل فيلم، في سابقةٍ أولى لعملٍ سينمائي ليس ناطقا بالإنكليزية، وجوائز أفضل إخراج وسيناريو أصلي وفيلم أجنبي، بعد أن فاز، في مايو/ أيار الماضي، بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان. كل هذه الجوائز (وغيرها) لأي فيلمٍ تجعلك إذا ما جهرتَ (أو همستَ؟) بأنه لم يعجبك كثيرا كمن يحمل السلّم بالعرض، إذ من غير المعقول أن حضرتَك أفهمُ من أهل الصنعة في أكاديمية فنون وعلوم السينما في لوس أنجليس، والذين أدخلوا هذا الفيلم الكوري التاريخ (كذا كتبت بعض الصحافة)، لمّا منحته الجائزة العالمية الرفيعة، وآثرتْه على أفلام أخرى، متينةٍ وثقيلةٍ لا شك، وأهمها فيلم "1917"، لمخرجه سام منديز، وكان المرشّح الأقوى لجائزة أفضل فيلم، غير أنه أُعطي جوائز أفضل تصوير سينمائي ودمج أصوات ومؤثّرات بصرية، بعد أن كان قد حاز سبعا من جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (بافتا)، منها أفضل فيلم ومخرج وتصوير سينمائي. 

لمّا كنتَ قد شاهدتَ هذا الفيلم، قبل إعلان "أوسكار" وقبل مشاهدتك "باراسيت"، فإن غرورا غزيرا سيغشاك، إذ ترى أن الجوائز الثلاث التي أعطيها هي وحدها التي يستحقّها، بل هي التي يلزم أن تُعطى له وليس لغيره (مع عدم مشاهدة كل الأفلام المتنافسة!)، ولا تراه موضوعيّا تكريمَه بجائزة أفضل فيلم، لو صار هذا. وذلك ليس تبخيسا من جماليّاته العديدة، ولا تقليلا من الجهد السينمائي فيه في تكامل عناصره، ولا تهوينا من براعة التمثيل واتساق الموسيقى التصويرية البديعة فيه مع التعبير عن المشاعر الجوّانية لبطله الرئيس، الجندي المحارب سكوفيلد (جورج ماكاي). ولكن لأن البطولة الخارقة، الفوق بشرية، الأقرب إلى تصنيع قدراتٍ أسطوريةٍ للمقاتل الغربي (البريطاني هنا وليس الأميركي)، أفقدت الفيلم مقادير من الإقناع به، ما أصابه بشيءٍ من الضعف (قصة حقيقية في الحرب العالمية الأولى). ولمّا كان الأمر كذلك، فإنك تحدس بأن الفيلم الكوري الجنوبي، الحائز سابقا على أرفع جوائز "كان"، لا بد وأنه استحقّ فعلا اعتبارَ أهل "الأوسكار" له أفضل فيلم.
لسنا، نحن الذوّاقة، محبّو السينما فحسب، من غير أهل النقد فيها، من غير العارفين بالتفاصيل التقنية والتصويرية والإخراجية، لسنا مطالبين بالإعجاب التلقائي (القطيعي؟) بما يستمزجه أولئك. لسنا ملزمين بأن نستطيب ما لا نقدر أن نستطيبه. هذه فرضيةٌ عامّة طبعا، ربما مناسبتها هنا أن "باراسيت" فيلمٌ رآه صاحب هذه الكلمات لا يستحقّ جائزتي الأوسكار و"كان". مع التأكيد، بالطبع، على ما في بعض مواضعه من نباهةٍ وحذاقة، ومن براعةٍ في إقامة المفارقات والطرائف، ومن إخراجٍ جيد، ومن إيقاعٍ جذّاب (في ساعته الأولى خصوصا)، ومع التأكيد على أنه يستحقّ تكريمه بجوائز تقدّره. وفي الوقت نفسه، تجوز إثارة السؤال عمّا إذا كان هذا الفيلم الكوري (اسمُه "الطفيلي" مفتعل؟) أراد الإيحاءَ بأن الفقراء قد تأخذُهم أحلامُهم في التغلب على أوضاعهم إلى القتل وارتكاب الجريمة والانتقام. قد يحدُث هذا طبعا، ولكن "باراسيت" بدا فيلميْن إلى حدّ ما، انتقل من إيقاعٍ إلى إيقاعٍ آخر، من غواية المفارقة الذكية، المبهجة الجذّابة للمشاهد، مع حرفيةٍ في انتقالات الكاميرا، إلى عنفٍ غير متسق تماما مع التوقعات التي ربما تخطر في بال المشاهد، على أن أي سيناريو وإخراج غير مطالبيْن بالضرورة بأن يلبّيا ما ينتظره المشاهدون ويريدونه، لا. ولكن الفيلم هذا، الجميل كما أفلام هندية ومصرية أيضا، أراد شحن الصراع الطبقي الذي اعتنى به، من خلال تبايناتٍ أظهرها بجمالياتٍ إخراجية، فاتنةٍ أحيانا، بإجرامٍ وقتل، وانتقل به إلى دراما مأساوية.
لا، ليس حمْلا للسلم بالعرض لو انكتب هنا أن ما فعله "باراسيت" في انتقالته هذه لم يكن مُقنعا، على مستوى مسار الفيلم ومبنى القصة، خصوصا أنه بدا في حكاية الابن الذي نجا من الموت، وتعافى جيدا بعد سيلانٍ كثيرٍ من دمه، كما أي فيلم هندي شعبي. ولكن، لا بأس، السينما في النهاية فُرجة، وإمتاعٌ للعقل، وإثارةٌ للأسئلة أحيانا. يفعل بعضا من هذا "باراسيت"، وأيضا "1972" الذي كانت السينما فيه أكثر، واستنفار المشاعر أيضا. أما الجوائز فصحيحٌ أنها تغرينا بالذهاب إلى قاعات السينما، غير أن لنا، في النهاية، حواسّنا وأخيلتنا وعقولنا وأمزجتنا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق داعش وميليشيات.. رواية أنتجها الصراع وغذّتها الأطماع!
التالى مظاهرة ضد كورونا