أبرتهايد بمبادرة أميركية

أبرتهايد بمبادرة أميركية
أبرتهايد بمبادرة أميركية

إشترك في خدمة واتساب

في حفل رسمي، أشبه بمسرحية تراجيكوميدية في البيت الأبيض، أزاح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الستار عما تسمى "صفقة القرن". 

من منظور إسرائيلي، هي صفقة القرن من دون شك، حيث لم يحلم أتباع الصهيونية برئيسٍ مثل ترامب، منذ اللورد بلفور ووعده المشؤوم الصادر قبل مائة عام. أما فلسطينيا، فهي ليست سوى مؤامرة إمبريالية تُحاك في وضح النهار، أو ما يمكن تسميته وعد بلفور الثاني، فالصفقة تمنح إسرائيل سيادة كاملة على القدس، والحق في ضم كامل المستوطنات في الضفة الغربية، إضافة إلى غور الأردن، والذي يشكّل نحو ربع مساحة الضفة الغربية. ويتوقع أن تصادق حكومة نتنياهو قريبا على ضمّ هذه المناطق تحت السيادة الإسرائيلية. أما الدولة الفلسطينية التي يتصوّرها مقترح ترامب فكانتونات مبعثرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومحاطة بالمستوطنات الإسرائيلية، أو ما يطلق عليها نتنياهو "دولة – مينوس".
المضحك المبكي أنّ صفقة ترامب تتعهد ببناء سفارة أميركية في الدولة الفلسطينية المقبلة، وكأنّ في تلك الدولة، أو الدويلة، ما يكفي من أرض لبناء هذه السفارة. وفي تكرار هزلي لمنطق "أوسلو"، هذه الدولة "مشروطة" بقبول الفلسطينيين بدولة منزوعة السلاح، وخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة. بعبارة أخرى، تمنح الصفقة إسرائيل هيمنة كاملة على كلّ المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، في حين يُحرم ملايين الفلسطينيين، والذين يشكلون أغلبية في هذه المنطقة، من أدنى حقوقهم المدنية، ناهيك عن ملايين اللاجئين الذين تمّ شطبهم تماما من هذا المقترح.

نحن إذن أمام إدارة أميركية تعمل بعقلية الانتداب، والتي نصّت قبل مائة عام على أنّ الفلسطينيين عاجزون عن حكم أنفسهم من دون وصاية برطانية. أو عقلية "سايكس بيكو" التي قسمت العالم العربي إلى دويلات تتقاسمها بريطانيا وفرنسا. أو عقلية وعد بلفور، والذي تعهدت بموجبه قوة أجنبية مستعمرة بمنح فلسطين لقوة أجنبية مستعمرة حليفة. أو نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والذي تأسس على فكرة عنصرية، أن السود غير قادرين على حكم أنفسهم، وعليهم الخضوع لسيادة البيض. 

يبدو أنّ الأميركيين لا يتعلمون من التاريخ. ولماذا نستغرب؟ فلقد دعمت الولايات المتحدة نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا حتى آخر رمق. يكفي أن نتذكّر أن نيلسون مانديلا مكث على لائحة الإرهاب الأميركية حتى العام 2008!
صفقة ترامب هي من نتاج عصابة صهيونية مقرّبة من الرئيس الأميركي: جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره، وتجمعه صداقة عائلية بنتنياهو ويفخر بسجل عائلته في دعم المستوطنات. وديفيد فريدمان، السفير الأميركي في إسرائيل، مستوطن يهودي ومتبرّع سخي للمستوطنات، ويؤمن أنّ الله أعطى أرض إسرائيل لليهود. مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، إنجيلي متطرّف، يؤمن بحق اليهود بالاستيلاء على كل أرض فلسطين. أما ترامب، فيكفيه كسب أصوات الإنجيليين الأميركيين، ودعم اللوبي الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة، ومتبرّعين أثرياء داعمين للمشروع الصهيوني، مثل حاييم سابان وشلدون أدلسون، وزوجته مريام أدلسون التي تؤمن بأنّ ترامب يستحق سفرا في التوراة!
ولا تقتصر معاداة الفلسطينيين على ترامب وعصابته في البيت الأبيض، بل هي متجذّرة في العقيدة السياسية الأميركية، فلطالما حظي بدعم إسرائيل غير المشروط بمباركة الحزبين، الديمقراطي والجمهوري. ويشمل ذلك منح إسرائيل غطاء دبلوماسيا في الأمم المتحدة لانتهاك حقوق الفلسطينيين، وتمكين الاحتلال، وتوسيع المستوطنات. مليارات الدولارات سنويا من الدعم المادي؛ قانون ضمان التفوق العسكري لإسرائيل في الشرق الأوسط؛ وأكثر من مائة قانون في الكونغرس والولايات الأميركية تنص على تجريم مقاطعة إسرائيل قانونيا، علما أنّ هذه القوانين تشكل انتهاكا صارخا لحقّ حرية التعبير، المكفول بموجب الدستور الأميركي.
إذن، صفقة القرن هي امتداد طبيعي للسياسة الأميركية المستمرة منذ عقود، والتي تنظر إلى الفلسطينيين كما نظرت جنوب أفريقيا إلى السود، أو كما نظرت الولايات المتحدة نفسها إلى مواطنيها السود حتى مطلع الستينيات: شعبٌ لا يستحق أية حقوق مدنية أو سياسية أو وطنية.
ولعل فضيلة صفقة ترامب الوحيدة أنها تسدل الستار نهائيا على أسطورة حلّ الدولتين. تعلمنا تجربة جنوب أفريقيا أنّ صراعنا المقبل، نحن الفلسطينيين، لا يتوقف على إنشاء دولة، أو دويلة، بل هو كفاح في سبيل الحرية والعدالة والحقوق المدنية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مظاهرة ضد كورونا