أخبار عاجلة
إشكال وإطلاق نار أمام منزل كرامي؟ -
“بيت الثوار” في البترون -
تجمع مطلبي أمام السرايا الحكومي في الهرمل -
هل يعقب تعميم “المركزي” خفض إضافي في الفوائد؟ -
قتيل وجريحان جراء حادث سير في فيطرون -
الحد من التسلح والملف السوري بين بومبيو لافروف -

العراق.. ماذا بعد؟

العراق.. ماذا بعد؟
العراق.. ماذا بعد؟

حركة الاحتجاجات في بغداد ومدن أخرى جنوبي العراق مستمرة. صحيحٌ أنها لم تحقق أيا من أهدافها الكبرى، إلا أن زخمها مستمر، وقد تجاوزت محاولات قمع وإفشال عديدة، حتى بات من المتفق عليه أن ما بعد التظاهرات لن يكون مثل ما قبلها. ولكن ما هو نوع التغيير المرتجى؟ وما هي الطرق المحتملة لتنفيذه؟

على الرغم من عدم وجود آلية تواصل واضحة مع المتظاهرين، لأنهم ما زالوا بلا قيادة مفوّضة، إلا أن أهم المقترحات العلنية المطروحة هي قانون انتخابي جديد، طرحه رئيس الجمهورية برهم صالح الذي تحظى تحرّكاته بدعم أميركي. يقول القانون المقترح إنه يرمي إلى تحقيق أهداف المتظاهرين في إحداث تغييرٍ يكسر احتكار الأحزاب السياسية المهيمنة على الحكم في العراق من أجل مشاركةٍ أكبر في الحكم. من أجل ذلك، يقترح القانون تصغير الدوائر الانتخابية من مستوى المحافظة (في العراق 18 محافظة تشكل كل منها دائرة انتخابية واحدة) إلى مستوى القضاء. التبرير الأساسي لذلك يتمثل في الرغبة الشعبية في وجود رابط مباشر بين خيارهم الانتخابي ونتيجة الانتخابات، فلطالما اتهمت الانتخابات السابقة بالتزوير وشتى أنواع التلاعب. هناك اعتقاد سائد الآن أن نظام الدوائر الصغيرة والغالبية البسيطة داخل كل دائرة سيوفر معرفة مباشرة بالمرشحين وبالنواب الفائزين بالتالي. ولكن كل الشواهد التاريخية والمعاصرة تثبت أن هذا النظام في العادة يخدم الأحزاب الكبيرة ذات القابلية على دعم مرشحين في كل الدوائر الانتخابية. في المقابل، تضيع عادة في هذا النظام الأصوات التي يحصل عليها مرشحو الأحزاب الصغيرة. ولكن من المهم هنا فهم أن الجمهور الغاضب والمتظاهر يريد مساهمة مباشرة وإشرافا مباشرا ونتائج يفهمها ويلمسها في مناطقه.
ولكن إذا نظرنا إلى جذور الأزمة العراقية، فإنها تتعلق بالمحاصصة الطائفية التي أرستها الأحزاب الطائفية في مبدأ معاد لفكرة الوطن والمواطنة. لذا أي حل لها على الصعيد الانتخابي يتمثل في جعل العراق كله دائرة واحدة، واتفاق الحركة الاحتجاجية على التنسيق والتحول إلى حركة سياسية عابرة للطائفية فعلا، وليس قولا، تدعم وتضم مرشحين من كل أنحاء العراق وطوائفه. سيكون ذلك ردا على أول انتخاباتٍ جرت بعد الاحتلال، واستخدم فيها هذا نظام 
"أي تغيير جذري لن يصطدم فقط بالقوى السياسية الشيعية المسيطرة، فهنالك الأحزاب الكردية والمجموعات السياسية السنية"
الدائرة الواحدة لكل العراق للمرة الأولى والوحيدة. ولكن تلك الانتخابات شهدت مقاطعة سنية واسعة، لتحصد الأحزاب التي تدّعي تمثيل الشيعة والكرد غالبية كبيرة. تنبهت تلك الأحزاب بعد ذلك، ومع تطلع للمشاركة في الانتخابات الثانية، والتي جرت نهاية العام 2005، لتقرّ قانونا انتخابيا آخر يجعل من كل واحدة من المحافظات دائرة انتخابية، ولتوزع المقاعد عليها وفق التقديرات، في غياب أي تعداد سكاني، لتتكرّس صيغة المحاصصة الطائفية التي تضمن أن تأتي غالبية المقاعد من محافظاتٍ ذات غالبياتٍ طائفية معروفة، تأتي من ناخبين معروفين طائفيا. ولكن التظاهرات الحالية في جوهرها ثورة ضد الطائفية والفساد اللذين استند إليهما وكرّسهما النظام السياسي الحالي، فمن غير تغيير لتلك المرتكزات، لن يكون هناك تغيير جذري يدعو إليه المتظاهرون، ولا يبدو أنهم سيرضون بأقل منه.
ولكن أي تغيير جذري لن يصطدم فقط بالقوى السياسية الشيعية المسيطرة على الحكم، والمتصدّرة حتى الآن مشهد القمع والمواجهة، فهناك الأحزاب الكردية والمجموعات السياسية السنية. وقد حصل الكرد بعد عام 2003 على مكاسب سياسية كبيرة، ولن يكون من مصلحة الأحزاب الكردية القوية أن يُعاد تشكيل كل العملية السياسية، لأن ذلك سيتضمن، على الأرجح، خسارة أو خسارات بالنسبة لهم. ناهيك طبعا عن أن رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، معروفٌ بعلاقاته التاريخية الودية مع الأحزاب الكردية. وقد كان حتى الآن أفضل رئيس وزراء عراقي بالنسبة لهم. سيكون التعامل مع الخصوصية الكردية تحدّيا كبيرا في المستقبل، كما كان دائما على طول تاريخ العراق الحديث.
أما المحافظات ذات الغالبية السنية ففيها زعامات محلية، معظمها مستحدث، ويدين بوجوده ودعمه للنظام الطائفي. ويتطلع السكان إلى تغيير حقيقي، يعيد إليهم الحقوق المدنية التي سلبت منهم تباعا بعد عام 2003، نتيجة تحول مناطقهم إلى مسرح دائم للتمرّد العسكري الذي انتهى بكارثة صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثم الدمار الهائل الذي حلّ نتيجة العمليات العسكرية التي أدت إلى إزاحته. غابت بعد ذلك أي جهود حقيقية للإصلاح والمصالحة والإعمار لتكون القوى نفسها، صاحبة الأذرع المسلحة التي يثور ضدها المتظاهرون في بغداد وجنوبي العراق ذي الغالبية الشيعية، مسيطرة تماما على الوضع الميداني في المناطق ذات الغالبية السنية. من غير تحرير السكان هناك من التهم الجاهزة بالإرهاب ستبقى مشاركتهم في كل الحراك الذي يجري مقتصرةً على التعاطف الوجداني. ولكن إذا تطورت حركة التظاهرات إلى إصلاح انتخابي وحزبي حقيقي، وتمكنوا من تشكيل إطار سياسي عابر للطائفية، فسيكون في ذلك خلاص لتلك المناطق وتمهيد لحلول حقيقية للتقسيمات الطائفية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى "مش رح يكسرونا"