أخبار عاجلة
باسيل يهاجم سعد الحريري ويعاتب أمل وحزب الله -
ديفيد هيل إلى بيروت موفداً من بومبيو -
هوك: العقوبات حرمت إيران عائدات النفط -
البريطانيون يترقبون مصير بريكست -
هاندكه.. "سربرنيتشا" والإوز السويدي -
ترامب وإسرائيل والتملق القاتل -
تشكيل الحكومة في تونس وهذه المزايدات -

لبنان وبدعة "الديمقراطية التوافقية"

لبنان وبدعة "الديمقراطية التوافقية"
لبنان وبدعة "الديمقراطية التوافقية"

يُوصف النظام السياسي في ، منذ استقلاله عام 1943، بأنه توافقي طائفي يقوم على محاصصات بين أحزاب وطوائف بنسب محدّدة، وفقاً للميثاق الوطني اللبناني الذي نظّم أسس الحكم بعد الاستقلال، ليأتي اتفاق الطائف عام 1989، والذي أنهى الحرب الأهلية، ليؤكد الشكل السياسي للبنان من جديد، مع الأخذ بالاعتبار التطورات التي شهدها البلد خلال تلك الفترة، لينتقل لبنان إلى نمط فريد من أنماط الحكم تحت مسمّى "الديمقراطية التوافقية"، والتي تعتبر بدعة كرّسها السياسيون اللبنانيون، والتي تقوم على أسلوب المحاصصة الطائفية والحزبية الضيقة، وعلى كل المستويات في الدولة. 

وعلى الرغم من أن الدستور اللبناني واتفاق الطائف لم ينصّا صراحةً على "الديمقراطية التوافقية" نمطا للحكم، إلا أنّ هذه البدعة أصبحت نمط الحكم الأساسي فيه، خصوصا مع اعتقاد السياسيين اللبنانيين أنّ اتفاق الطائف أزلي مقدّس، وأنّ ما جاء فيه لا يجوز المساس به، ويجب الحفاظ عليه، وهو ما أدّى، في نهاية المطاف، إلى خروج عشرات آلاف المتظاهرين اللبنانيين، متخطين البعد الطائفي ضمن وحدة شعبية ذات مطالب موحّدة، معبّرة عن الرفض ثلاثة عقود من المحاصصة السياسية الفاسدة التي كرسّها السياسيون في ظل هذا النمط من الحكم.
وبالتعمق قليلاً في هذا النمط من الديمقراطية في لبنان نجده ديمقراطيا في شكله، تسلطيا طائفيا 
"أبقى نمط "الديمقراطية التوافقية" لبنان في وضع هشّ ومشلول سياسياً واقتصادياً وأمنياً"
في مضمونه، يقوم على محاصصة طائفية وحزبية، توزّع فيها المناصب الأساسية في الدولة، بما فيها التعيينات السياسية والعسكرية والأمنية، على المستويات كافة، وجميع وظائف الدولة، بنسب محدّدة بين الطوائف المختلفة التي تتبع مجموعة زعماء أوصلتهم التركيبة الطائفية والمذهبية إلى ما هم عليه. وبالتالي، أبقى هذا النمط لبنان في وضع هشّ ومشلول سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وجعل المؤسسات في لبنان رهينة ولاءات ومحاصصات طائفية وحزبية، يبادر فيها كل فريق إلى الدفاع عن ممثليه في السلطة ورفض محاسبتهم، لأن من شأن ذلك أن يعدّ خروجاً عن لعبة التوافقات التي تقتضي، في النهاية، تبادل غض الطرف عن الأخطاء والانتهاكات، تحت سقف التوافق السياسي والتسوية السياسية وتفاهمات الأفرقاء التي لا يجوز الإخلال بها وكسرها، وهو ما يجعل هذا النمط يلبس لباس الديمقراطية، ويُنتج في الوقت نفسه نظاما تسلطيا يهدف إلى تقاسم النفوذ والمصالح، سواءً بين الأطراف الداخلية اللبنانية مع بعضهم بعضا، أو بينهم وبين الأطراف الخارجية التي يدعم كل منهم طرف داخلي على حساب الأطراف الأخرى، إلى درجة أنّ اختيار الرئيس ورئيس الوزراء في لبنان أصبح يرتبط بأطراف إقليمية ودولية، أكثر من أنه يرتبط بمصالح لبنان وفقاً للدستور الذي أصبح تفسيره أيضاً طريقةً لتقاسم النفوذ وتوزيع الحصص بين الفرقاء اللبنانيين لنهب الثروات وقمع 
"الديمقراطية التوافقية تقتضي تبادل غض الطرف عن الأخطاء والانتهاكات، تحت سقف التوافق السياسي"
الأصوات، بعد أن ضاعت المسؤوليات، وغابت المحاسبة والمساءلة، فالديمقراطية في كل الدول تقوم على حكم الأكثرية، إلا أنّها في لبنان تقوم على حكم الأقلية التي حوّلت لبنان إلى بلد البدع السياسية، والتي أدّت، في نهاية المطاف، إلى خروج مظاهراتٍ في كل لبنان، تطالب بمحاسبة كل السياسيين القائمين ضمن هذا النظام، والذي لا يتعدّى كونه نظاماً يتوافق فيه السياسيون على تقاسم غنائم السلطة، والاستمتاع بمنافعها على حساب أغلب الشعب.
تحرك الشارع اللبناني اليوم ليس عشوائياً كما يُشاع، وإنما هو منظّم وواع، بدليل أنّ اللبنانيين خرجوا باعتبارهم لبنانيين، ولم يخرجوا بوصفهم طوائف ومذاهب. خرجوا يردّدون هتافات واحدة ضد السياسيين مجتمعين "كلّن يعني كلّن"، وأثبتوا أنهم أوعى من الطبقة السياسية بتحرّكهم لإلغاء دور رؤساء الطوائف والأحزاب والتكتلات، وبالتالي إلغاء النظام التوافقي - الطائفي اللبناني (الديمقراطية التوافقية)، وإن كان مؤقتاً ، والتي أنتجت حكوماتٍ غير ذات فعالية وكفاءة، وبرامج غير واضحة ودقيقة، وألغت المواطنة، وخلطت السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، بدلاً من فصلها، و قيّدت الجيش، ومنعته من لعب دوره الوطني المحدّد له. وأشركت في الحكم من هم غير أهلٍ له، وعطّلت نمو الدولة نتيجة تسوياتٍ 
"هذا النمط يلبس لباس الديمقراطية، ويُنتج في الوقت نفسه نظاماً تسلطياً"
وصفقاتٍ سياسيةٍ هدفت إلى تقسيم المكاسب بين السياسيين اللبنانيين لا أكثر ولا أقل، ليؤكد اللبنانيون أنهم شعب واحد، ومصيرهم واحد، يتجاوز كل الطوائف والمذاهب، وأنّ وحدتهم في ميادين التظاهر شرط أساسي لنجاح الاحتجاجات ضد السياسيين، والانتقال بالبلد كله إلى مسارٍ يلتحق بعصره في الحقوق الأساسية لشعبه، باعتبارهم مواطنين لا رعايا في دولة الطوائف والمحاصصات.
في المحصلة، يجب تأكيد أنّ مظاهرات لبنان لا يجب أن تُؤخذ في إطارها الضيق، من خلال تناولها ضد تردّي الأوضاع الاقتصادية وغلاء الأسعار وفرض الضرائب، حتى وإن كانت هذه الأمور جزءا ظاهرا في تحريك المظاهرات، بل يجب أن تُؤخذ، في إطارها الأوسع الذي يؤكّد فساد نظام السلطة القائم على المحاصصة والطائفية، والذي أضعف الدولة وجميع مؤسساتها نتيجة تراكم تاريخي، يمتّد ثلاثة عقود، الأمر الذي يستتبع معه إعادة تنظيم الدولة اللبنانية على أسسٍ جديدة تُلغي من قاموسها السياسي والاجتماعي المحاصصات الطائفية في تقاسم السلطة والنفوذ، وإعادة الديمقراطية إلى مسارها الصحيح، مع مراعاة فصل السلطات الثلاث.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق من ينبش قبر محمد مرسي؟
التالى "مش رح يكسرونا"