أخبار عاجلة
محتجون يشعلون الإطارات أمام وزارة الداخلية -
تجمع مئات المحتجين في ساحة سراي بعلبك -
قطع الطريق عند البوابة الفوقا في صيدا -
شهيب: من نصّب جبران باسيل ملكًا على هذا البلد؟ -
ساحة حلبا لا تزال تغص بالمعتصمين -
واكيم: الشعب قال كلمته ولن يتراجع -
بالصورة: اقتحام مكتب درويش وتحطيمه -

أكتوبر ودروس الحرب الباقية

أكتوبر ودروس الحرب الباقية
أكتوبر ودروس الحرب الباقية

تمر هذه الأيام الذكرى السادسة والأربعون على حرب السادس من أكتوبر 1973، الحرب التي كانت آخر الحروب التقليدية التي خاضتها جيوش عربية نظامية في مواجهة الجيش النظامي لدولة العدو الإسرائيلي، والتب سبقتها ثلاث جولات عسكرية: حرب فلسطين في 1948، حرب العدوان الثلاثي ضد مصر في 1956، ثم الجولة الثالثة في الخامس من يونيو 1967. انتهت الجولات الثلاث الأولى بنتائج كارثية للعرب، وبدا الأمر وكأن فكرة الانتصار على الآلة العسكرية الإسرائيلية بعيدة المنال أو شبه مستحيلة. 

في ظل تلك الأجواء من الإحباط التي كانت تُخيم على المشهد العربي، خصوصا بعد توقف حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية، وقبول الرئيس عبد الناصر مبادرة وزير الخارجية الأميركية في ذلك الوقت، وليام روجرز، في يوليو/ تموز 1970، وكانت تنص على وقف القتال، وكل الأعمال العسكرية ضد إسرائيل، والتفاوض سعياً إلى حل المشكلات بين الأطراف، في تلك الأجواء، خيم الهدوء والصمت على جبهات القتال، وتوقف الحديث عن الحرب. ولكن، كانت هناك ماكينة هائلة، متمثلة في القوات المسلحة تعمل ليلاً ونهاراً، بلا كلل، وفي صمت وصبر، وضبط هائل للأعصاب. فاجأت الدنيا كلها فى منتصف يوم السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1973 بالتحرّك، وبتنسيق مع القوات السورية على جبهة الجولان، لتنطلق شرارة حربٍ لم يتوقعها أحد، ووقف العالم يرقب ويترّقب.
اقتحم الرجال مانع قناة السويس المائي الممتد من بور سعيد شمالاً إلى السويس جنوباً، بقواربهم 
"اكتسب المقاتل المصري خبرةً ومهارات عسكرية ميدانية، عبر الاشتباك المباشر مع العدو"
المطّاطية الصغيرة ذات المجاديف، وهم تحت نيران العدو، وتسلقوا ساتراً ترابياً تجاوز ارتفاعه 15 متراً، وبميول حادّة بلغت 60 درجة، ثم خاضوا معركة اقتحام وتدمير حصون العدو المنيعة التي أقامها على امتداد الضفة الشرقية للقناة، وفي العمق ست سنوات كاملة. ودارت المعارك حامية على مسرح عمليات وجوي وبحري. فقد العدو حصونه، وسقطت طائراته بالعشرات، وتم تدمير دباباته ومدرّعاته بالمئات، ووقع مقاتلوه في الأسر، وتحطمت الأسطورة على مرأى من العالم ومسمعه. لم يكن ذلك سهلا، بل كان هناك ثمن غال من دماء الشهداء والمصابين.
لا تنشغل هذه المقالة في تحليل المعارك العسكرية وتقييمها، وأيضا سير العمليات الحربية، وتطور المواقف الإقليمية والدولية، وخصوصا الموقف الأميركي، والانتقال من ساحة القتال والعملية العسكرية إلى ساحة التفاوض وعملية السلام. وإنما تلتفت المقالة إلى أن المقاتل المصري حقّق، في أكتوبر/ تشرين الأول 1973، نصراً عسكرياً حقيقياً على أرض الواقع، شهد به العالم، حين ذكر المراقبون والخبراء العسكريون أن الجيش المصرى اقتحم قناة السويس وخط بارليف بفرق المشاة الخمس العظيمة والشهيرة، وأن المفاجأة الحقيقية لحرب أكتوبر كانت المقاتل المصري.
ماذا بقي من نصر أكتوبر، بعد 46 عاماً، شهدت فيها المنطقة العربية أحداثاً جساماً، وتغيرت فيها التوازنات الإقليمية، وتراجعت فيها القضية الفلسطينية إلى أدنى مستوى؟ بقيت مجموعة من الدروس شديدة الأهمية، على عدة مستويات، عسكرية ميدانية واستراتيجية. وعلى المستوى السياسي إقليميا ودولياً، وعلى المستويات كلها، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ولا يتسع المجال لتناول كل تلك الدروس، والتي لم تأخذ حقها من البحث والدراسة، في زخم ضجة الاحتفاليات الصاخبة أو الجدالات العبثية. لذا يُكتفى هنا بالتعرّض لدروسٍ تمثل علاماتٍ بارزة في مسيرة تلك الحرب، أولها أن المدرسة الحقيقية للحرب هي الحرب نفسها، وهذا ما أدركته القيادة المصرية مبكراً، وأطلقت حرب الاستنزاف التي امتدت نحو ألف يوم، حتى اعتبرها مراقبون جولة عسكرية مستقلة، وكانت تكلفتها كبيرة، وقدمت فيها مصر تضحياتٍ كثيرة، عسكريا ومدنيا واقتصاديا. وفي المقابل، إكتسب المقاتل المصري خبرةً ومهارات عسكرية ميدانية، عبر الاشتباك المباشر مع العدو، والأهم اكتساب الثقة بالنفس وبالقدرة على هزيمة ذلك العدو. الدرس الثاني أهمية التفرغ التام لكل ما هو ضروري للحرب، من التخطيط والتنظيم والإعداد والاستعداد، على كل المستويات، والاهتمام بكل التفاصيل، في إطار التقييم الدقيق لقدرات وإمكانات كل من قواتنا وقوات العدو، وإتاحة الفرصة للفكر المتطوّر والمبدع، للتعامل مع المشكلات، وتطويع الإمكانات المتاحة. وهنا يشار إلى مجموعات العمل التنظيمية التي شكلها وأشرف عليها رئيس الأركان، الفريق سعد الشاذلي، لوضع تفاصيل عملية عبور قناة السويس، واقتحام خط بارليف على كل المستويات، حتى مستوى واجب كل فرد فى كل تخصص. وأيضاً إلى مجموعة التخطيط الاستراتيجي التي كان يرأسها رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، اللواء محمد عبد الغني الجمسي، والتى عنيت بخطط تحرّك القوات، وتنسيق أعمال القتال، وتوقيتاتها. وبطبيعة الحال، كان ذلك هو منهج العمل على كل المستويات داخل أفرع القوات المسلحة وإداراتها وتشكيلاتها.
درس آخر مهم لم يلق حظه من الاهتمام، ربما لأن الموضوع لم يكن مطروحاً، في ذلك الوقت، وهو العلاقات المدنية العسكرية، على الرغم من تأثير طبيعة تلك العلاقات وتطورها، خصوصا على مستوى كل من القيادة السياسية والعسكرية، وإن لم يلحظ كثيرون ذلك في حينه. يتضح ذلك من ثلاثة مواقف: الأول، عندما قرّر الرئيس أنور السادات عزل القيادات العسكرية الرئيسية، الممثلة في القائد العام للقوات المسلحة، الفريق محمد أحمد صادق، ومعه مجموعة من كبار قادة 
"المقاتل المصري حقّق، في أكتوبر/ تشرين الأول 1973، نصراً عسكرياً حقيقياً على أرض الواقع، شهد به العالم"
القوات المسلحة، قبل حرب أكتوبر، عندما شعر السادات أن صادق يتدخل في القرار السياسي، الخاص بالحرب والسلام. واختار الفريق أحمد إسماعيل علي، والمعروف عنه الانضباط والالتزام العسكري الشديد، وكان أول توجيه للقائد العام الجديد عمّمه على القوات المسلحة أن دور القوات المسلحة هو الإعداد للحرب، طبقا للقرار السياسي. الثاني، عندما ترك السادات عملية التخطيط والإعداد العسكري للقيادة العسكرية من دون تدخلٍ منه. وانطلقت الحرب، وسارت العمليات طبقاً لتخطيط القيادات العسكرية وإدارتها، وتحقق الإنجاز العسكري الباهر، وحققت القوات المسلحة مهامها بنجاح، وحرّرت الضفة الشرقية للقناة في سيناء بعمق تجاوز 15 كلم، وعزّزت أوضاعها على الأرض، حتى جاء يوم 14 أكتوبر، عندما اختلطت الأمور مرة أخرى، واختلّت العلاقة المدنية - العسكرية بين القيادة السياسية والقيادات العسكرية، عندما تدخل السادات بشكل مباشر في سير العمليات، وأصرّ على الدفع بالفرقة المدرّعة التي كانت تمثل احتياطيا استراتيجيا غرب القناة، لتطوير الهجوم شرق الخطوط التي وصلت إليها القوات في سيناء، على الرغم من معارضة القيادات الميدانية القرار، ولكن السادات أصرّ، أياً كانت مبرّراته، وخضع له القائد العام. وترتب على ذلك الخلل في العلاقة تنفيذ قرار خاطئ عسكريا، أدى الى نتائج شديدة السلبية، وكادت تقلب موازين المعركة رأساً على عقب، لولا تمسّك القوات بأوضاعها شرق القناة.
لعل تلك نماذج من أبرز دروس حرب 1973. والأمر يحتاج مزيدا من الدراسات المعمقة، في ظل استمرار الصراع الوجودي مع العدو الإسرائيلي، والذي سيبقى هو العدو الحقيقي لمصر والمصريين، ما بقيت الحقوق الفلسطينية رهينة، وما بقيت القدس أسيرة، وما بقيت الأرض العربية محتلة. وتبقى حقيقة أننا انتصرنا على الآلة العسكرية الإسرائيلية في حرب أكتوبر، ونستطيع تحقيق النصر مرة أخرى، ومرات، ما بقيت إرادة الشعوب حية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق سجينة في القصر الجمهوري
التالى سوزان سونتاغ.. المكافِحة