أخبار عاجلة
“القوات”: لا ثقة بحلول تقدمّها هذه الحكومة -
بري: ما صدر عن الحكومة كان ينبغي ان يقترن بإصلاحات -
بعد الاستقالة… هذا رأي “القوات” بورقة الإصلاحات -
الصين: نقترب من التوصل لاتفاق "الاستثمارات" مع أوروبا -
ماذا فعل عون بعد انتهاء الجلسة؟ -
مَن يقودُ الثورة… وماذا الآن؟ -
حين يقتحم الطابور الخامس ساحة رياض الصلح -
لقاء بين نصرالله وحسن خليل.. ماذا تناول البحث؟ -

الأردن وسورية... نقابة عن نقابة تختلف

الأردن وسورية... نقابة عن نقابة تختلف
الأردن وسورية... نقابة عن نقابة تختلف

"مبارك لنا هذا الإنجاز يا بناة الأجيال". ... بهذه العبارة، هنأت نقابة المعلمين الأردنيين أعضاءها بعد أن توصلت إلى اتفاق إيجابي مع الحكومة، عدّته نصراً للوطن الأردني، لا للنقابة أو للمعلمين، كما قال بيانها بعد إقرار الاتفاق. والحقيقة أنَّ ما حققه إضراب المعلمين الذي استمر نحو شهر من نتائج إيجابية على المستويين، المادي والمعنوي، يدعو إلى نوع من الفرح والابتهاج، ويمنح الأمل بالمستقبل العربي عموماً، لا لأن جمهوراً محدّداً في بلد عربي حقق نصراً على حكومته التنفيذية المستمدّة قوتها من سلطة الحاكم التي غالباً ما تأخذ في عالمنا العربي مسحةً من القداسة التي تمنع أي مساسٍ بها، مهما كانت دواعيه وأسبابه، بل لأن هذا الجمهور هو قطاع المعلمين الذي يبدأ به، وخصوصا في عالمنا المعاصر، كل بناء غايته الارتقاء في الدولة والمجتمع، ويؤكد ذلك أن العقلية التي وقفت خلف تحقيق تلك النتائج الإيجابية متفتحة، لم تنطلق من الواقع الاقتصادي فحسب، بل أيضا من نظرة كلية شاملة، أخذت بالحسبان أسس البناء الاجتماعي، والإنساني عموماً، ودور المعلم فيه. 

إضافة إلى ذلك، وبغض النظر عن مسار الإضراب الذي أخذ وقته، وتخللته مناقشات وحوارات، وربما ضغوط، تعذَّرت بالوضع الاقتصادي الصعب للدولة الأردنية، وربما حدثت إساءاتٌ غير مسؤولة أو سوى ذلك، فإن الشكل الديمقراطي الذي حُلّت به المشكلة يعطي صورةً عن الرقي الذي ميَّز تلك العقلية في تعاطيها مع المشكلة، وخصوصاً في هذه الظروف التي تمرُّ بها المنطقة العربية، وربما تبشّر بانعطاف ديمقراطي، على الرغم من كل ما يرافقها من مآس وأحزان.
وما لفت أيضاً في بيان نقابة المعلمين الأردنيين التي انتزعت حقاً من حقوقها ورود العبارة أن 
"بناء الإنسان يحتاج مقوماتٍ ماديةً ومعنويةً، إلا أن تلك المقومات في سورية كانت مفقودة"
الحصول على ذلك الحق هو نصر للوطن، والحقيقة أنها عبارة ممتلئة الدلالات، إذ تفيد بأن ذلك النصر الوطني سينعكس إيجاباً على حياة المعلمين وعلى نفسياتهم، ما يساهم بزيادة قدرتهم على التفاعل مع تلاميذهم. وبالتالي سيجعل هؤلاء التلاميذ أكثر قدرةً على الدرس والإبداع في المجالات كافة. ما سوف ينشئ حالةً من تفتح وعي ونمُّوٍ شامل، ليشكلا في النتيجة قوة للوطن وسياجاً لمنعته.
ولعل هذه الحقيقة تقود إلى مفهوم النقابة مؤسسة مجتمع مدني يتجلى فعلها الداخلي في تحقيق مفهوم تواشج أبناء المجتمع الواحد وحماية أمنه وسلمه. ومن باب المقارنة مع نقاباتٍ أخرى، نقرأ ما تسمى "النقابة السياسية" الذي ابتدعه حافظ الأسد، أو استورده فيما استورد ليزيد من متانة تماسك الدولة العميقة وإحكام سطوتها، فالنقابة السياسية في الدولة "الوطنية التقدّمية" لا تنشغل بالأمور المطلبية "التافهة"، فهمُّها أكبر، ومهامها أرقى وأرفع. ولذلك، المظاهرات في دولة الأسدين، الأب والابن، خيانة عظمى، إذ يكفي النقابة أن ترفع مطالب أعضائها عبر تسلسل هيئاتها وتراتبها إلى القيادة السياسية العليا التي تقرّر، "بحكمتها" وتقديرها، إذا ما كانت الظروف مواتيةً لتلبية الطلب أو لا، وعندما يصدر القرار بالإيجاب، لا بد أن يأتي مشفوعاً بهبة القائد أو منحته أو عطائه، وأن يقام له عرس ترفع النقابة، في نهايته، برقية عرفان وتقدير للقائد العطوف.. إلخ.
ومن هنا يمكن القول: إذا كانت نتائج ما حققته نقابة المعلمين الأردنيين قد تركت ارتياحاً عند أعضائها، وربما لدى الشعب الأردني كله، إذ عاد الطلاب إلى مدارسهم فرحين، وعاد إليهم معلموهم ونفوسهم ممتلئة بالثقة، ما سيزيدهم عطاء على عطاء، فإن هذا النصر ربما يثير لدى سوريين كثيرين لواعج وأحزاناً، وخصوصا هؤلاء الذين ما زالوا يذكرون إضراب المعلمين السوريين في أوائل ستينيات القرن الماضي، حين أخذت قوى قومية ويسارية ممن كانت الثورية لديهم قد طفحت عن الكيل يبعثون رسائل وبرقيات إلى الحكومة، معلنين فيها أنهم يضعون أنفسهم تحت تصرّف وزارة التربية، ويطالبون بفصل المعلمين المضربين عن عملهم. ومن هؤلاء نقابة عمال البلديات (مع الاحترام الكامل للعاملين في هذا القطاع من المجتمع، فلكل المهن دورها ومكانتها، لكنَّ الإشارة هنا إلى دور التخصص الذي يثمر في الإنتاج). أما حين آل الحكم لحافظ الأسد، فقد رفع شعار: "المعلمون بعثيون" وأخذت حكومته تنقل المعلمين والمدرسين غير البعثيين من مهنتهم التي تأهلوا لها إلى دوائر الدولة ومؤسساتها المختلفة، كالسجل المدني والتموين والصناعة والمصالح العقارية وغيرها، وفق ما ينص عليه ميثاق الجبهة الوطنية التقدّمية. وحين أخذت الإضرابات أوائل ثمانينيات القرن الماضي احتجاجاً على الأوضاع المعيشية تتزايد، مؤيدة من النقابات المختلفة، أقدمت الحكومة على حل تلك النقابات المنتخبة، وعيَّنت نقابات أخرى "ثورية" تؤمن بمفهوم النقابية السياسية، ولم تكتف بذلك، بل أخذت تعيد صياغة اللوائح الداخلية لتلك النقابات، ومنحت السلطة التنفيذية حقوق التدخل في الشأن النقابي وصلاحياته، إلى درجة إلغاء نتائج مؤتمر النقابة، إذا لم ترق للأجهزة الأمنية! ومعلوم أن مؤتمرات النقابات السورية جميعها يحضرها ممثلون عن الفروع الأمنية، كلها لتنقل تقاريرها إلى المعنيين.
وتذكِّر عبارة بناة الأجيال التي وردت في تهنئة النقابة الأردنية للمعلمين بمقولة حافظ الأسد: 
"اعتذار رئيس الحكومة الأردنية، عمر الرزاز، عن أيِّ حدث انتقص من كرامة المعلمين يعدُّ فخراً له"
"المعلمون بناة حقيقيون لأنهم يبنون الإنسان"، وشتان بين البناءين، فبناء الإنسان يحتاج مقوماتٍ ماديةً ومعنويةً، إلا أن تلك المقومات في سورية كانت مفقودة تماماً، فقد كان المعلمون أدنى رتبةً بين الموظفين المهنيين لجهة الراتب والعلاوات الإنتاجية والمزايا الأخرى، إذ كانت معاهد المعلمين تستقبل خريجي الثانويات العامة من الفرعين، الأدبي والعلمي، ممن ترفضهم أفرع الجامعات والمعاهد كلها لتدني مستوى درجاتهم. وكان المعلم، بدوامه القصير، (أربع ساعات وربع الساعة في اليوم، وحصص المدرس 18 للثانوي، و21 للإعدادي، ومدة الحصة الواحدة في المرحلتين 40/45 دقيقة) يعدُّ عمله الوظيفي ثانوياً، لينشغل مضطراً في أعمال أخرى تسد له متطلبات عيشه، الأمر الذي فاقم من تردّي التعليم، موصلاً إياه إلى أدنى مستوى، وساد الفساد في مفاصله الرئيسة، وانتشر التعليم الخاص، سواء في البيوت أو في المعاهد والمدارس الخاصة. وبالطبع، لا يستطيع الفقير اتباع دورات أو الدخول إلى المدارس الخاصة. أما الجامعات فقد وصل الفساد عند بعض أساتذتها إلى أخذ الرشوة مقابل النجاح، وقد جاء ترتيب جامعة تشرين بين جامعات العالم عام 2010 في المرتبة 8000 أما الآن فقد تجاوزت هذا الرقم جامعتا دمشق وحلب. ولعلَّ فضيحتي تعديل المناهج التي أشرف على لجنتها العليا طبيب بيطري، وسرقة وزير التربية مليارات الليرات السورية من عملية طباعة الكتب المدرسية خارج سورية جاءتا تمثيلا لمسار فاسد منذ خمسين عاماً، وآنَ له أنْ ينتهي!
وتبقى الإشارة الأهم إلى أن اعتذار رئيس الحكومة الأردنية، عمر الرزاز، عن أيِّ حدث انتقص من كرامة المعلمين يعدُّ فخراً له، ولمن يمثله، ورفعة رأس لبناة الأجيال، ومثلاً لكل من يعتز بشعبه ووطنه. ولو أن اعتذارا كهذا قد حصل لأولياء تلاميذ درعا لجنّب سورية ما لحقها من دمار ومآس.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الصومال.. هل يتخبّط مجدّداً؟
التالى سوزان سونتاغ.. المكافِحة