أخبار عاجلة
ماذا فعل عون بعد انتهاء الجلسة؟ -
مَن يقودُ الثورة… وماذا الآن؟ -
حين يقتحم الطابور الخامس ساحة رياض الصلح -
لقاء بين نصرالله وحسن خليل.. ماذا تناول البحث؟ -
الحريري يتلقى اتصالات من مسؤولين دوليين وسفراء -
الإصلاحات تدفع المعتصمين الى الإستمرار -
باسيل نجم الساحة الأوّل… ورندا بري ثانية -
من زوق مصبح: “ثورتنا وطنية، إسلام ومسيحية” -
المتظاهرون للسلطة: لا ثقة.. ولا خروج من الشارع -

صافرة ترامب والحرب الأهلية الثانية

صافرة ترامب والحرب الأهلية الثانية
صافرة ترامب والحرب الأهلية الثانية

مضى مجلس النواب الأميركي في إجراءات مساءلة الرئيس دونالد ترامب بهدف عزله، بتهمة إساءة استخدام السلطة، وخيانة القَسَم الرئاسي، على خلفية ضغطه على حكومة دولةٍ أجنبيةٍ للحصول منها على مساعدةٍ لإعادة انتخابه، عبر إلحاق الضرر بمنافس سياسي. نتيجة ذلك، تواجه الحياة السياسية الأميركية تصعيدا نادرا لا يخلو من مخاطر سياسية، في ظل انقسام حاد حول الرئيس المنتخب العام 2016 دونالد ترامب، والطامح، ومؤيدوه، لإعادة انتخابه لولاية ثانية في انتخابات 2020. 

وفي خضّم صدام دستوري استثنائي، ساد الشارع الأميركي شعور عام بأن ترامب ومؤيديه من اليمين المتطرّف يأخذون الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك، بعد أن لوّح الرئيس بشبح حربٍ أهليةٍ في حال نجح الديمقراطيون في إقالته. ترامب الذي أطلق عاصفة من التغريدات عبر حسابه في "تويتر" (فاقت الأربعين تغريدة) حتى مساء الأحد الماضي (6/ 10 /2019)، ختم يومه بتغريدة تقول "إذا نجح الديمقراطيون في إزاحة الرئيس من منصبه (وهو ما لن يكون أبداً)، فسوف يتسبّب ذلك في حرب أهلية كشرخ في هذه الأمة لن تشفى منه هذه البلاد أبدا". كانت التغريدة اقتباسا من أحد أشد المؤيدين له، مرشده الروحي، القس روبرت جيفرس، راعي الكنيسة المعمدانية الأولى في دالاس وتكساس، وأحد المساهمين في قناة فوكس نيوز الأميركية، والذي أطلق التحذير المقتبس متحدثا صباح الأحد عبر برنامج "فوكس أند فريندز".
بداية، رفض نواب ديمقراطيون المضي في إجراءات العزل، لاعتقادهم أن انشغالهم بالتحقيق 
"لعب اليمين المتطرّف على مدار عقدين دوره في تأجيج مشاعر الغضب والكراهية ضد المهاجرين من المسلمين وغير البيض"
والمساءلة سوف يصرف الانتباه عن أولوياتهم التشريعية، ويعمّق الانقسامات السياسية في البلاد، ولكن بعد اعترافات ترامب بحجب المساعدات عن الحكومة الأوكرانية، وبطلبه من المسؤولين الأوكرانيين التحقيق في مزاعم الفساد ضد جو بايدن، منافسه الديمقراطي في انتخابات الرئاسة المقبلة، استقرّت استطلاعات الرأي لتظهر أن أكثر من 90٪ من الديمقراطيين، المهيمنين على مجلس النواب، إما يؤيدون إجراءات المساءلة ضد الرئيس ترامب، أو يلمّحون إلى أنهم منفتحون لدعمها. لم تثر تغريدات ترامب عن الحرب الأهلية غضب اليسار، بل أقلقت أيضا نواب حزبه الجمهوري، وقد تستميل بعضهم إلى تأييد إجراءات العزل، حرصا ربما على أهلية الرئيس (؟)، فواحدة من أقسى الإدانات وجّهها إلى الرئيس المشرّع الجمهوري أدم كينزنجر، وأحد المحاربين القدامى في العراق وأفغانستان، الذي غرّد مستنكرا أن يكرّر الرئيس اقتباس "الحرب الأهلية"، سيما وأن كينزنجر قد خبر بنفسه الحال المؤسفة لدولٍ مزّقتها الحرب الأهلية، ووصف ذلك بأنه "أكثر من بغيض".
الانقسام الدستوري الحاد الذي تشهده الولايات المتحدة الأميركية اليوم هو نتيجة للاستقطاب العنصري الذي تفاقم مع تنامي ظاهرة الشعبوية اليمينية، ومعاداة المهاجرين واليهود والمسلمين، وتصاعد أعمال الإرهاب الداخلي، وزيادة جرائم الكراهية، وتفجّر العنف في الشوارع، في ظل تزايد مخاوف البيض جرّاء التداعيات المحتملة على التركيبة السكانية سريعة التغير، في ظل توقعاتٍ إحصائيةٍ بتحوّلهم إلى أقليةٍ بحلول عام 2044. إذ أصبحت التغيرات التي أحدثتها أنماط الهجرة والتجنيس على التركيبة السكانية في الولايات المتحدة قادرةً على قلب الوضع الانتخابي، فبعد العشرين سنة المقبلة لن يشكل الأميركيون البيض غالبية الناخبين. تعداد الأقليات ينمو بمعدلاتٍ مرتفعة، مقارنة بالنمو الطبيعي للغالبية البيضاء، وتوقعت دراسات أن واحدا من بين من كل عشرة من الناخبين المؤهلين، في انتخابات 2020، سيكون قد ولد خارج الولايات المتحدة، وهي أعلى حصة منذ عام 1970، عندما كانت أبواب الهجرة للولايات المتحدة مفتوحةً على مصراعيها. وباتت سياسات الهجرة اليوم أحد عوامل الانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين بعد توافقهم عليها العام 2013.
في هذه الأجواء، صعد ترامب في الانتخابات الأميركية، بمذهبه القومي وتعصّبه العرقي، لكنه لم يُحدث رد الفعل العنيف على التركيبة السكانية المتنوعة للبلاد، فقد لعب اليمين المتطرّف على مدار عقدين دوره في تأجيج مشاعر الغضب والكراهية ضد المهاجرين من المسلمين وغير البيض. أما انتخابات التجديد النصفي فأعادت تشكيل التحالف الديمقراطي تحالفا ديمغرافيا من: الأقليات، والشباب، والناخبين البيض ذوي التعليم الجامعي، يؤيد تعدّد الثقافات، ما أثار مزيدا من سخط العنصريين البيض، وغذّى أوهامهم عن "الإبادة الجماعية للبيض". ومن المتوقع تزايد عنف اليمين الراديكالي واستمراره خلال الفترة المقبلة، بغض النظر عن سياسات ترامب المستقبلية، أو حتى عن مستقبله السياسي.
مع ذلك، يصب ترامب على النار زيتا، حين يستمر في نشر أفكاره المعادية للمهاجرين والمسلمين في عموم البلاد، ويثير المخاوف من ظهور "دولة الأقليات". بالإضافة إلى تصريحاته العنصرية المتكرّرة ضد المكسيكيين، منذ اليوم الأول لحملته الانتخابية، التي وصفهم فيها بـ "المغتصبين"، استمرّت سياساته في تأجيج مشاعر الكراهية تجاه المهاجرين، ليصفهم تارة بـ"المجرمين"، 
"لم تثر تغريدات ترامب عن الحرب الأهلية غضب اليسار، بل أقلقت أيضا نواب حزبه الجمهوري"
وينعتهم تارة أخرى بـ"الغزاة"، وفي تشجيع عنصرية المتطرّفين البيض، وتقوية جماعاتهم، وتعيينهم أعضاء في إدارته، ولم يعد بالإمكان إنكار الصلات التي تربط بين بعض المسؤولين الأميركيين في إدارة ترامب والجماعات التي تحرّض على الكراهية ضد المهاجرين (نحو: اتحاد إصلاح الهجرة الأميركية). وحمّلت تقارير وطنية سياسات ترامب المسؤولية عن عمليات إرهابية عديدة، كالتي سبقت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018. وتحت عنوان "عام الكراهية والتطرّف: سباق ضد التغيير"، تساءل التقرير الصادر عن مركز قانون الحاجة الجنوبي في فبراير/ شباط 2019، عن إمكانية بناء ديمقراطيةٍ سلمية متعدّدة الثقافات في ظل تصاعد القوميات البيضاء، وتنامي الإرهاب الداخلي، وبروز السياسات العنصرية، وتزايد التنظيمات التي تنشر الكراهية وتحتقر الأقليات العرقية والدينية، والتي بلغت قرابة ألف جماعة في عام 2018، بزيادة تقدر بحوالي 7% عن عام 2017، والتي ستكون مسؤولةً عن تقويض الديمقراطية الأميركية.
وصف معلقون تلويح ترامب بـ "الحرب الأهلية" بأنه أشبه بإطلاق صافرة جالتون (صافرة تصدر أصواتها في النطاق فوق الصوتي، وعلى عكس بعض الحيوانات، لا يسمعها البشر، 
"لا تزال هناك خطوات مطلوبة على طريق عزل ترامب"
وتستخدم في تدريب الكلاب)، فهناك من هم قادرون على سماعها وهي تطلق دعوة إلى العنف، كحال مليشيا حراس القسم (أوث كيبر)، وهي أكبر الجماعات اليمينية الراديكالية المسلحة المناهضة للحكومة (حوالي 35 ألف عضو)، والتي تبنّت بعد يوم واحد تغريدة ترامب حول "الحرب الأهلية"، وغرّدت، عبر حسابها على "تويتر": "نحن على وشك حرب أهلية ساخنة. كحال العام 1859، تكون حالنا اليوم"، معلنة انعدام الثقة باليسار وفقدانه الشرعية، وتصميمه على تدمير الجمهورية بعدائه الدستور. ومما له دلالة هنا فيما يتعلق بمدى عنصرية هذه الجماعة وأيديولوجيتها المتطرّفة أنها تأسست بعد فترة وجيزة من انتخاب باراك أوباما، أول رئيس أسود للبلاد.
لا تزال هناك خطوات مطلوبة على طريق عزل ترامب، ففي حال صوت مجلس النواب الذي يهيمن عليه الديمقراطيون على عزله هذا الشهر (أكتوبر/ تشرين الأول 2019)، يتعيّن على مجلس الشيوخ ذي الغالبية الجمهورية التصويت على هذا الإجراء بغالبية الثلثين. ومهما بدت حرب أهلية ثانية مستبعدة، فإن ترامب يستمر في وضع أسس للعنف حتى بعد إقالته من منصبه، فعندما تتبنّى مليشيات راديكالية مسلحة وعنصرية مناهضة للحكومة كلماته عن حربٍ أهلية، بوصفه رئيسا للبلاد، فإن مزيدا من الأميركيين يدركون أنه ارتكب خطأ فادحا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ظهر تونس وكتفاها
التالى عندما يفوز آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام