أخبار عاجلة
حمولة لا مرئية -
مناظرة رئاسة تونس ومواقف حاسمة -
ذات وعكة صحية -
العراق والصفحة الثانية من الانتفاضة -
حكومات وراء الاحتجاجات -
انتفاضات بدون النكهة الإسلامية -
تحية إلى ثورة الشباب اللبناني -
مغالطات "القضية الكردية في سورية" -
من ليس خاسراً في سورية؟ -
ليس جيش السيسي وولده -

هاجر الريسوني وزواج الفاتحة

هاجر الريسوني وزواج الفاتحة
هاجر الريسوني وزواج الفاتحة

يقول الرجل للفتاة: "أريدك زوجة صالحة في ما يرضي الله، زوّجيني نفسك على الفاتحة المباركة". ترد الفتاة: "زوّجتك نفسي. لنقرأ الفاتحة ونوثق زواجنا أمام الله." ويختم الرجل: "أنا قبلت ببركة الفاتحة." هذا الحوار في الخفاء هو النسخة المتحايلة على ما عرف قديما بـ "زواج الفاتحة"، والذي كان يتم بحضور الأهل ويشهر بين الأحباب. وفي الحالتين، يترُك هذا النوع من النكاح غير الموثق ثغرةً كبيرة تسمح للرجل غير المسؤول بالتملص من واجباته تجاه الزوجة والأطفال، وحرمانهم من حقهم في الإرث والنفقة والحضانة. "زواج الفاتحة" عُرفٌ مورس قرونا في البلدان الإسلامية، وما زال معمولا به نسبيا في بوادي المغرب والجبال النائية التي يعم فيها الفقر والجهل والأمية. وكرَّس هذا الزواج الوهمي اغتصاب طفلاتٍ وتعدد الزوجات، وخلف أبناء غير شرعيين تحوّل بعضهم أطفال شوارع. 

ظن الحقوقيون المغاربة، في العام 2004، أن قانون الأسرة الجديد سيضع حدا لهذه المآسي، إذ نصّ على أن سن الثامنة عشرة هو الحد الأدنى للزواج، وجعل من موافقة الزوجة الأولى شرطا أساسيا لتعدد الزوجات، وشدد على أن وثيقة عقد الزواج هي الوسيلة المقبولة لإثباته، باستثناء "الأسباب القاهرة" التي قد تحول دون توثيق العقد في وقته. باسم هذا الاستثناء، سمح المُشرّع المغربي بفترةٍ انتقاليةٍ خمسة عشر عاما، تم فيها توثيق جل حالات زواج الفاتحة، وانتهت هذه المهلة مع مطلع الجارية. ولكن هذا الاستثناء فتح باب التحايل على القانون، فأصبح القضاة يسمحون بتزويج القاصرات المحظور، وتعدد الزوجات المحصور، بدعوى أنهم يخشون عليهن هضم حقوقهن، إذا ما لجأن إلى زواج الفاتحة. وكشفت النيابة العامة المغربية، في تقريرها عن الوضع الجنائي في البلاد لعام 2018، عن ارتفاع نسب زواج القاصرات، إذ بارك القضاء تزويج 18422 طفلة.
"الحداثيون يتصدرون اليوم قائمة المتضامنين مع الريسوني، وهي التي سخرت منهم حين كتبت: الحداثي مثل الديك يعدّد باسم الحب والحرية".

"


والأخطر أن "زواج الفاتحة" الذي كاد أن يقتصر في الماضي على البوادي والجبال المهمّشة انتشر في المدن، وبين السلفيين والطلبة الجامعيين وأرامل يخشين فقدان معاش الزوج المتوفى. ويعود اليوم مسلسل "زواج الفاتحة" إلى الواجهة عبر قضية الصحافية هاجر الريسوني منذ أوقفتها السلطات المغربية يوم 31 أغسطس/ آذار الماضي، بتهمة "ارتكاب علاقة جنسية غير شرعية، نتج عنها حمل وإجهاض غير مشروع". وتم توقيف "خطيبها" وطاقم طبي متهم بالمشاركة في الإجهاض. ولكن هاجر وأعضاء هيئة دفاعها ينفون هذه التهم، بدعوى أنها متزوجة وفق زواج الفاتحة. وصرح أحد محاميها، عبد المولى المروري، بأن من الأرجح أن يكون "نزيف" موكلته راجع لـ "سقوط حملها" الذي جاء في إطار زواج الفاتحة، المبني على "أحكام الشريعة الإسلامية". ولم يكن للحادثة أن تثير جدلا في المغرب وخارجه، لو لم تكن الفتاة ترتدي حجابا، وتنتمي لعائلة تعرف بـ "الشرفاء الريسونيين"؛ فعَمُّها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ أحمد الريسوني، وكان رئيس حركة التوحيد والإصلاح، الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية (الإسلاموي)، والذي يقود الحكومة المغربية منذ 2012. ولطالما وعظ الريسوني المسلمين والمسلمات بـ "التنزّه والتخلص من سفاسف الأخلاق ورذائلها والتعفّف عن الخبائث والمحرمات، والوقوف عند المباحات الطيبات". وقال "لا للمساواة بين الجنسين وألف لا للزواج العرفي". وكان قد أفتى، قبل حادثة ابنة أخيه، بأن "زواج اليوم الحقيقي والمأمون هو الموثق الذي يضمن حقوق المرأة وحقوق الأولاد وحقوق الأسرة واستقرار المجتمع"، وسبق له أن أفتى أيضا في حكم الشّرع في الإجهاض، قائلا: "إذا فتحنا أبواب موضوع الإجهاض فنحن نفتح باباً من أبواب جهنم على الأسرة، وباباً من أبواب تعطيلها وتفكيكها"، موضحا أن "هناك إجماعا لدى الفقهاء على أن إسقاط الجنين تجب فيه الدّية على من أسقطه، ولو كان هو الأم أو الأب، والدية لا تكون إلا في القتل".
ولكن الفقيه الذي يُحرّم الإجهاض، حتى في حالة "زنا المحارم"، ويناصر تطبيق حكم الشريعة على الزاني والزانية، يضرب اليوم أقواله هذه عرض الحائط، ليصطف مع ابنة أخيه مباركا زواجها بالفاتحة، ناكرا سقوط (أو إسقاط) حملها، ومستنكرا توقيفها. وقال في رد له على نازلة ابنة أخيه: "في يوم عيد الأضحى، اتصلت بهاجر، وهنأتها بزواجها، فأكدت لي خطبتها". ويبدو الشيخ في موقفٍ لا يُحسد عليه، وهو يحاول شرعنة الخطوبة التي يعرّفها القانون المغربي بمجرد "تواعد على الزواج"، وهو بذلك يحلل لذويه ما سبق أن حرّمه لباقي المسلمين والمسلمات.
ويطرح لجوء صحافية لزواج الفاتحة أكثر من مشكلة، إذ يشكل تشجيعا على التلاعب بالزواج، والتحايل على القانون، وعقبة في طريق بناء دولة القانون، وضربة لنضال حقوقيين يسعون إلى وضع حد للزواج غير الموثق. ومن طرائف قضية الرّيسوني أن الحداثيين يتصدرون اليوم قائمة المتضامنين معها، وهي التي سخرت منهم في أحد مقالاتها حين كتبت: "الحداثي مثل الديك يعدّد باسم الحب والحرية".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالفيديو...المخابرات البريطانية: المشنوق متواطئ سرا مع الأسد و نصرالله
التالى سوزان سونتاغ.. المكافِحة