هل تهز إقالة داود أوغلو "العدالة والتنمية"؟

هل تهز إقالة داود أوغلو "العدالة والتنمية"؟
هل تهز إقالة داود أوغلو "العدالة والتنمية"؟

مرّت أيام ساخنة على تركيا، بعد اتهام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، المعارضين داخل حزبه، العدالة والتنمية، بتجارة الفتنة، وإحالة رفيق درب أردوغان، رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، إلى اللجنة التأديبية، تمهيداً لإقالته من الحزب. وتعد الخطوة لافتة جداً، فهي المرّة الأولى في تركيا التي يُحال فيها شخص شغل منصب رئاسة الوزراء إلى اللجنة التأديبية، بغرض إقالته. وفي إقصاء داود أوغلو عن الحزب، في وقتٍ يُنتظر أن يقدّم استقالته، بدلا من الإقالة، استهداف الهوية المؤسساتية للحزب بشكل مباشر. وقد قال النائب السابق للحزب الحاكم، سلجوق أوزداغ، الذي تمت إحالته إلى اللجنة التأديبية أيضا، إن قرار أردوغان تحويل معارضي الداخل إلى اللجنة هو بالذات يهدف إلى الإساءة إليهم وإهانتهم، قائلا إن أردوغان استهدف داود أوغلو في مدينة قونيا (مسقط رأسه)، وجاء قرار إقصاء الرجل بعد المشاركة الضئيلة للمواطنين في تجمّع حزب العدالة والتنمية في قونيا، والتي سببت إحباطاً للرئيس أردوغان. 

لماذا انتظر داود أوغلو إلى أن يتم طرده من الحزب، وإحالته إلى اللجنة التأديبية، بدلاً من الاستقالة مسبقا؟ يبدو أنه لم يستقل من الحزب حتى اللحظة الأخيرة، للتعبير عن أنه بقي في الحزب لمكافحة الأخطاء، والتأكيد على أنهم أُجبروه على مغادرة الحزب. إذ تعتمد استراتيجية الرجل على التصدّي للانتقادات التي تقوم بتخوينه، فهو يريد القول إنه لجأ إلى جميع أنواع العلاجات داخل الحزب وتصحيح الأخطاء، ولكن هذه المبادرة واجهت عقبات كبيرة على أرض الواقع، فموقف الحزب تجاه داود أوغلو بدأ يتغير منذ ثلاث سنوات، فبعد إقالته من الحزب بقليل، أزالوا صوره المعلقة على جدران مقر الحزب، خلال زيارته منطقة حديم في مدينة قونيا. وفي حدث آخر، يعتبر إهانة له، أهمل ذكر اسمه واسم رفيق دربه، عبد الله غول، في مقطع فيديو يروي لحظات تاريخية حاسمة للحزب، تم نشرها على الحساب الرسمي للحزب على مواقع التواصل الاجتماعي، بمناسبة الذكرى 18 لتأسيسه، ولم يكن داود أوغلو وغول مدرجين في قائمة زعماء "العدالة والتنمية".
من ناحية، كان التوجه الأولي، في اجتماع حزب العدالة والتنمية، يفيد بالسماح لداود أوغلو بتقديم
"انطباع بأن معظم النواب أو المسؤولين في الحزب جاهزون للانفصال عنه وظهرت مؤشرات التصدع"
 استقالته، لعدم إتاحة فرصة له وللمعارضين الداخليين، لكي يستخدموا ورقة "المظلومية"، حيث تم عقد الاجتماع الأسبوع الماضي لإجراء تقييماتٍ عن إيجابيات إقالة داود أوغلو وسلبياتها، فقد أراد أردوغان أن تسير الأمور بشكل هادئ من دون ضجة، محاولا ألا يستهدف داود أوغلو، ولا المنشقين عن الحزب بشكل مباشر. ومع ذلك، يبدو أن استهداف داود أوغلو حزب العدالة والتنمية مباشرة وزيادة جرعة الانتقاد هما ما دفعا أردوغان إلى طرده من الحزب.
وبالتوازي مع ذلك، أجبر أردوغان التشكيلة السياسية الجديدة التي يحبّذ داود أوغلو تأسيسها خلال الأشهر المقبلة على الإعلان عنها بشكل مبكّر، فيما قام بحملة ضد فريق داود أوغلو، عوضاً عن فريق نائب رئيس الوزراء وزير المالية الأسبق، علي باباجان، والذي استقال من الحزب قبل أسابيع. وفي الوقت نفسه، بعث رسالة إلى القاعدة الشعبية للحزب، بشأن أولئك الذين على اتصال مع التشكيلة السياسية الجديدة، لتحذيرهم من الانضمام إليها أو التعامل معها.
يمكن القول، في هذه النقطة بالذات، إن بدء عملية تأديبية ضد داود أوغلو وزملائه يعد إشارة قوية على أن الرئيس أردوغان لن يكتفي بانتقادات لفظية ضد خصومه، بل سيستخدم أسلوب المواجهة بشكل مباشر. والسؤال الذي يطرحه الجميع: هل تم عزل داود أوغلو وأصدقائه من الحزب؟ وهل استقالة علي باباجان، المعروف بعلاقته الوثيقة مع الرئيس السابق، عبد الله غول، ستسبب تصدعات خطيرة في الحزب؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تراجع حزب العدالة والتنمية والحكومة الحالية؟ ليست مخاوف الحزب الحاكم فقط في إحداث انقساماتٍ كبيرةٍ داخل حزب العدالة والتنمية، على خلفية الاستقالات، أو عمليات الإقصاء، بقدر إحداث خسائر صغيرة من شأنها أن تصب في صالح المعارضة في الانتخابات المقبلة، خصوصا أن انتخاب أردوغان تم بنسبة 51.6% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية في يونيو/حزيران 2018، فإن خسارة 1.6 صوت أمر مهم بالنسبة لحزب العدالة والتنمية (الحاكم)، ما سيؤدي ربما إلى خسارته في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2023.
ويمكن القول إنه ما زال هناك احتمال إجراء انتخابات مبكرة أو مباغتة. وبالتالي، قد يؤدي انتقال الأصوات من الحزب الحاكم إلى "ائتلاف الأمة" بنسبة 0.8% إلى حسم نتائج الانتخابات لصالح المعارضة، وقد دخلت الساحة السياسية التركية فترة تكتسب فيها الأحزاب الصغيرة أهمية بالغة في تحديد من سيكون بيده زمام الأمور في الحكومة. ويمكن تقديم أفضل إجابة على هذا السؤال من خلال استطلاعات الرأي العام التي أجرتها شركات مستقلة. ووفقًا لها، إذا تم إنشاء حزبين جديدين، من المتوقع أن يحصل علي باباجان على 8% وأحمد داود أوغلو على حوالي 3%. وعلى الرغم من أن هذه الأصوات تبدو منخفضة للوهلة الأولى، إلا أن هذه التقديرات قد لا تعتبر منخفضة في البداية، نظرًا إلى عدم تشكيل أنصار داود أوغلو حزبا جديدا بشكل رسمي، ولم تنتقل التشكيلة السياسية الجديدة بعد إلى مرحلة مؤسساتية. وينبغي أن يُؤخذ في الاعتبار أن معظم المصوتين لها من ناخبي "العدالة والتنمية".
وعلى الرغم من أن هناك انطباعاً بأن معظم النواب أو المسؤولين في الحزب الحاكم جاهزون 
"ما زال هناك احتمال إجراء انتخابات مبكرة أو مباغتة"
للانفصال عنه، وقد ظهرت مؤشرات التصدع، فإن من غير الممكن أن ينضم النواب إلى التشكيلة السياسية الجديدة، قبل اتخاذ القرار بشأن الانتخابات، باستثناء نواب محسوبين أصلا على تيار داود أوغلو. ومع ذلك، معروفٌ أن كلا من داود أوغلو وعلي باباجان يجريان محادثاتٍ بهدف ضمان انتقال النواب والمسؤولين من الحزب إلى التشكيلة السياسية الجديدة التي سيؤسسانها.
ما الذي تفكر فيه القاعدة الشعبية لحزب العدالة والتنمية بشأن هذا الموقف، وكيف ترى المستجدات؟ ابتعد بعضهم عن الحزب، خصوصا من الشريحة المثقفة الذين يعبرون عن آرائهم وانتقاداتهم تجاه الأخطاء في الإدارة بشكل عام، والسلبيات في التعامل مع الملف الاقتصادي بصوت عال. ويعتبر الشباب المثقف النسبة الأكبر داخل هذه الشريحة، كما أن دخلها المالي أفضل بكثير من الطبقة المتوسطة، وحتى الذين لم يصوّتوا منهم للأحزاب "العلمانية"، أخذوا يفكرون في الانشقاق عن الحزب، إذ تشكل هذه الشريحة تقريبا 15% من أنصار "العدالة والتنمية"، ومن المتوقع أنها ستصوت لحزب جديد.
ويبدو أن الانقسام بين الطرفين كان يرجع إلى رحيل داود أوغلو عن رئاسة الوزراء. بالإضافة إلى رفض الرئيس أردوغان مقترحاتٍ لداود أوغلو تتضمن إجراءاتٍ إصلاحية، مثل قانون إعادة الإعمار للبيوت المدمّرة في أثناء اشتباكات بين الحزب العمال والجيش التركي، وقانون الشفافية، وكذلك مسألة تحويل الوزراء إلى محكمة الديوان العليا ممن ارتكبوا جرائم فساد وسرقة. ومن ناحية أخرى، ترى القطاعات الأكثر استقلالية في تركيا أن على داود أوغلو وباباجان، إذا كانا يرغبان في بدء إنشاء حزب سياسي جديد، الاعتذار للرأي العام التركي، لأنهما قد شاركا في جميع الأخطاء التي ارتكباها سوية مع أردوغان خلال 17 سنة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أنا أحب الاستعمار
التالى في المواقف المصرية من حراك سبتمبر