أخبار عاجلة
حمولة لا مرئية -
مناظرة رئاسة تونس ومواقف حاسمة -
ذات وعكة صحية -
العراق والصفحة الثانية من الانتفاضة -
حكومات وراء الاحتجاجات -
انتفاضات بدون النكهة الإسلامية -
تحية إلى ثورة الشباب اللبناني -
مغالطات "القضية الكردية في سورية" -
من ليس خاسراً في سورية؟ -
ليس جيش السيسي وولده -

لن ننسى "صبرا وشاتيلا"

لن ننسى "صبرا وشاتيلا"
لن ننسى "صبرا وشاتيلا"

"قومي يا اختي الساكنة بالكوخ العتيق/ شُوفي الجُثث المبعثرة، شوفي الجُثث المُوزعة في الطريق/ شُوفي الأطفال مسبْحِين بدمهم، عمْ يرضعوا من صدر جثة أُمْهم/ غنيلهُم يا اختي حب الوطن، ماتوا لأجل حب الوطن، وعاشوا أغراب بحب الوطن 

غنيلهُم حب الوطن ما أجملوا/ عمْ يسمعوا، غنيلهُم حب الوطن ما أجملوا".
منذ كنّا تلاميذ في الابتدائي سمعنا عن شاعر الثورة الفلسطينية، وشاعر المخيمات، والذاكرة الحية للتراث الغنائي الفلسطيني الراحل، إبراهيم صالح، المعروف بأبي عرب، وتعرّفنا من خلال أغانيه الشعبية والثورية على النكبة، والمخيم، والمقاومة، وبكينا حب الوطن على وقع أناشيده الوطنية، لمشابهة مفرداتها بالواقع، ووصفه تفاصيل معاناة الشعب الفلسطيني، في بلاد اللجوء، والويلات، التي تجرَّع مرارتها. ومن تلك المشابهات، وصف مشهدي لمجزرة صبرا وشاتيلا التي نسج وأنشد كلماتها بدمع العين، وحسرة القلوب الملتاعة، لتحيي في الوجدان الفلسطيني ذكراها السابعة والثلاثين، وتذكير العالم بإجرام ودموية مرتكبيها من خلال المشاهد الفظيعة المكتظة بصور مأساوية وموجعة وفاضحة، تأبى النسيان، نلخصها في أسطر قليلة، لإعادة التذكير والتعريف المقتضب والسريع لمن لم يسمع بتفاصيل المجزرة الدامية.
بدأت المجزرة بعد خروج فدائيي الثورة الفلسطينية من بيروت في عملية انتقامية وتصفية لسكان المخيم العزل وأهاليه، تحت ذريعة البحث عن 1500 مسلح فلسطيني، على الرغم من علم الجميع باستحالة ذلك، بعد مغادرة الفدائيين الفلسطينيين لبيروت وخلو المخيمات من قطعة سلاح واحدة.
أحكم جيش الاحتلال الإسرائيلي الطوق على المخيم، وأغلق مداخله ومخارجه بعيداً عن وسائل الإعلام ووكالات الأنباء، وتم إلقاء القنابل المضيئة طوال ليلتي المجزرة لمساعدة مليشيات القوات والكتائب اللبنانية تحت قيادة إيلي حبيقة، وجيش الجنوبي بقيادة سعد حداد.
ومع بزوغ فجر يوم 16 من شهر سبتمبر/ أيلول، حلقت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي على ارتفاعات منخفضة في سماء بيروت الغربية وإعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة عليها، ووجود وزير الحرب آنذاك، المجرم شارون وتمركزه في أحد الأبنية المطلة على مخيمي صبرا وشاتيلا، وإشرافه المباشر على العملية، ومع غروب يوم 16 وتسهيل دخول مئات من العناصر المسلحة عبر الأزقة الجنوبية الغربية للمخيمين، والتقدم والانتشار في جميع شوارع المخيم والسيطرة عليه بالكامل وارتكاب أبشع الجرائم الإنسانية والتنكيل بجثث الضحايا من كبار السن والأطفال دون الثالثة والرابعة من العمر، وبقر بطون النساء الحوامل واستخدام السلاح الأبيض والسواطير والبلطات في ذلك، وواصلوا لثلاثة أيام بلياليها قتل واغتصاب وتقطيع أوصال الأبرياء العزّل من أطفال ونساء وعجائز وكهول ورمي جثثهم في العراء، كما اقتادوا ممرضين وأطباء من مستشفى عكا إلى وجهات أخرى حيث تمت تصفيتهم.
بعد تنفيذ المجزرة، سمحت القوات الإسرائيلية بدخول الأطباء ووسائل الإعلام التي صُدمت بهول ما حصل، واستفاق العالم على مجزرة من أبشع المجازر في تاريخ البشرية ليجد جثثاً مذبوحة بلا رؤوس ورؤوساً بلا أعين ورؤوسا أخرى محطمة. وليجد قرابة 3000 جثة ما بين طفل وامرأة وشيخ ورجل من أبناء الشعب الفلسطيني والمئات من أبناء الشعب اللبناني، وجنسيات أخرى.
صُدم العالم بما جرى، فحاولت الحكومة الإسرائيلية التماشي مع الضغوط، وشكلت لجنة تحقيق، وجهت الاتهام الشكلي إلى شارون بالمسؤولية عن المجزرة، وتجاهل إمكانية حدوثها، ورفض الأخير الاتهامات، واستقال من منصبه وزيرا للدفاع، لكنه عاد بعد سنوات لتسلم منصب رئيس الوزراء. واكتفى مناحيم بيغن أمام الضغوط بعبارة بغيضة، تكشف عنصريته، كانت أبلغ رسالة لكل من يخرج علينا من حين لآخر برأي عجيب عن عدالة إسرائيل، وديمقراطيتها، واستحقاق العرب لما يجري لهم بسببها!، حين قال: "أناس غير يهود قتلوا أناساً غير يهود، ما شأننا نحن"؟
جاءت مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا، لتدق مسماراً آخر في نعش الأمم المتحدة ودعاة الديمقراطية في العالم، الذين اكتفوا بالتنديد ولا يزالون، فعلى الرغم من هول المجزرة، لم تتحرك الأمم المتحدة قيد أنملة لمحاسبة المسؤولين عن هذه المجزرة الجماعية التي تسبب فيها السفاح شارون، مع مجموعة من مساعديه العسكريين.
هولوكوست "صبرا وشاتيلا"، تعاد كل مرة في صور وأشكال مختلفة، لكن موقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يبقى يراوح مكانه في تعامله مع كيان فوق القانون، يرتكب المجازر ولا يحاسب، يقتل، يذبح، وينكل بشعب منذ أكثر من 70 سنة، لكن تبقى مواقف الناطقين باسم الشرعية الدولية، لا تتجاوز عتبة التنديد، والشجب.
لا يستحضر الفلسطينيون والمجتمعات العربية والإسلامية المجازر التي تعرّضوا لها على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأعوانه في مناسباتها السنوية فقط، وربما يندر حدوث ذلك، لفرط تكرار ما تعرض له الشعب الفلسطيني من تشريد ومعاناة، على مرأى العالم أجمع، ولسان حالهم يقول، المجزرة بالمجزرة تُذكَر، ومع كل جريمة تُرتكب بحق الفلسطينيين، تحضر "صبرا وشاتيلا" بصفتها المجزرة الكبرى التي تسكن الذاكرة، لاعتبارها حدثًاً مأساوياً فارقاً، نفذته عناصر ما كان يسمى بجيش لبنان الجنوبي وأخرى من حزب الكتائب، بمساعدة قوات الاحتلال الإسرائيلي، في 16 سبتمبر/ أيلول عام 1982، خلال اجتياح لبنان في العام نفسه.
مجزرة صبرا وشاتيلا، محفورة في التاريخ والذاكرة الفلسطينية، تستعصي على النسيان، ولن تسقط بتقادم الزمن، وستظل حية مثل الجمر طي الرماد في وجدان الشعب الفلسطيني، وستظل دمعاً بالعيون وحسرات في القلوب.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ثورة في لبنان في عهد "حزب الله"
التالى سوزان سونتاغ.. المكافِحة