مجنون الحكم حين يكذب

مجنون الحكم حين يكذب
مجنون الحكم حين يكذب

لا أعرف ما المناسبة التي سمعت فيها هذه العبارة التي أثارت دهشتي "الكذب ملح الرجال".. فأي رجال؟ وأي ملح؟ ساعتها، لم أكن قد عرفت أن هناك كتابا سيكون اسمه "تاريخ الكذب"، لم يدهشني لجفاف أفكاره. وكنت أيضا ما زلت أستمع إلى تاريخ العشّاق، وفي روحي سماحة ما، نظرا لأنهم عشّاق، وقد نسامح العشّاق أحيانا لأكاذيبهم البيضاء، نظرا إلى هول شغفهم واضطراب أحوالهم وأرواحهم ونبل غاياتهم. ولكنْ صعبٌ أن نسامح قاتلا كذب على مقتول أو قاطع طريق، وإن كنا في الحرب نقول إن "الحرب خدعة"، وغيرها من تلك العبارات السمجة، مثل "القانون لا يحمي المغفلين"، وغيرها من عباراتٍ تفتح قوس الكذب ناعما وجميلا وفنيا لنيل مزيد من الانتصارات أو اللذائذ، مثل مقولة سلفادور دالي: "لا أجد في نفسي غضاضة في وضع يدي في جيب أي كونتيسة لأخذ ما أريد"، وإن تطور "الكذب الفني" ناعما على يد سلفادور لتحويل الفنان من شخصٍ محبوبٍ إلى شخص مبتز بخفة دم ولصوصية تحت ستار "محبة الفن". هنا لا تتحول اللصوصية لا إلى "ملح الرجال" فقط؛ بل إلى التشريع الفني الناعم للخطأ الجميل، وتحويله إلى ذهب في رصيد الفنان، لا إلى "ملحٍ للرجال" فقط. 

كل هذا التسامح، للعاشق والفنان والعاشقة والفنانة والمحتاج وابن الضرورة والمطارَد والمهاجر والطفل قد نجد له طريقة للغفران. تبقى المعضلة الأزلية أمام الحاكم المجنون بالحكم، وغالبا يكون عصبي المزاج، ومتورّما ودكتاتورا ومعتزا بذاته وتاريخه وحكمه وعلمه ومحبته لوطنه (ظاهريا على الأقل، أو أمام الكاميرا والميكرفون)، كيف تواتيه الجرأة على الكذب؟ أما تحلية الكذب بكل هذه المروءات والأساطير والصبر والتفاخر الكاذب، إلى درجة مثلا أن أحدهم قال: "ظلت ثلاجتي خالية إلا من الماء عشر سنوات"، ولم يضع بجانب الماء حتى ولو طبقا صغيرا من تمر.
"عشر سنوات كاملات" لضابط يتقاضى مرتبه من القوات المسلحة، في وقتٍ امتلأت فيه ثلاجات مصر في السبعينيات والثمانينيات، بعد مداخيل النفط والسفر، بكل أنواع الفاكهة واللحوم، فكيف ظلت ثلاجة ضابط في القوات المسلحة محرومة من أي بلح أو جوافة، وهي للعلم كانت أرخص من التراب في الثمانينيات، عشر سنوات؟ هل هي إهانة للثلاجة مثلا؟ أم إهانة لذكاء السامع والمشاهد والعاقل؟ أم تحلية للكذب ومنحه مصداقية الأنبياء ومصداقية أختامهم المقدسة، خصوصا حين يصدر من رئيسٍ تأتيه أوامر الحكم من السماء مكتوبة على سيف أحمر مكتوب عليه "لا إله إلا الله محمد رسول الله".. هنا لا يكون الكذب مجرد "ملح للرجال" لزوم "خفة الظل"، ولكن يكون للكذب ذلك السند القوي من "لدن السماء نفسها"، أن قم واحكم، فالأمر ليس من الشعب ولا من الصناديق ولا الديمقراطية، ولكن من السماء نفسها. كذب لا يناقش، ولا يُرد، لأن السماء ختمته بختمها الأزلي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وبالأحمر، لون الدم فوق السيف، المُعدّ بالطبع للقتل المقدس، وما على الشعب إلا أن يطيع، لأن هذا أمر إلهي. كذب الأرض دائما يحتاج ختم السماء، وختم السماء حضر وأكّد.
وعلى الدعاة والفقهاء تفسير باقي الأحلام أو الأكاذيب، وتأكيدها للشعب، وإتمام شرحها ومرادها، فيأتي الحلم أو "تفاح الكذب" للشيخ عمرو خالد "إنه رأى السيسي يأكل العنب والتفاح في الجنة"، ولم يعد الأمر قاصرا على الأكل، بل تطوّر الأمر للكنيسة المصرية "أنه محمي من الله"، أو "أنه قد بلغ عدل عمر" رضي الله تعالى عنه. هنا تفلت جبال الأكاذيب، وربْطتها تنحل، وتصير مادة يومية، تارة من خلال الأحلام، وتارات من خلال التصاريح، حتى يصير الكذب جبلا مهيبا من "ملح الكذّابين"، جبل يصعب النظر إليه، أو حتى الاقتراب منه.
جبل منصوب فوق كبد البحر – الشعب، وما على الشعب إلا التصديق، وإن لم تصدق، فالرصاصة موجودة، خلوا بالكم: "ما تنسوش اللي حصلكم في الحرس والنهضة ورابعة إلى آخره"، إلا أن جبل الكذب كجبل الملح تماما حينما يجاور ماء البحر، من دون أن يدري البحر، يتفتت، من صلابته وهيبته، كل يوم شيئا فشيئا، حتى يسقط الجبل في الماء ويذوب.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق حزب الله وأخلاق "أشرف الناس"
التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل