ماذا يريد ميشال عون؟

ماذا يريد ميشال عون؟
ماذا يريد ميشال عون؟

مثلما أنّ الأهم هو المغنّي لا الأغنية، أحياناً كثيرة، فإن قائل الخطاب أو مطلق النظرية، اعتباطية كانت أم حكيمة، هو الذي يضفي على ما يقوله بهتاناً أو نضارةً. أن تكون الحقبة العثمانية مرت على مرور إرهاب الدولة كما أخبرنا الرئيس اللبناني قبل أيام، فهذا كلام قد يصحّ في وجوه شتى من التتريك ومن القمع والإعدامات والظلامية التي احتلت حيزاً من القرون الأربعة للهيمنة العثمانية على منطقتنا وخارجها. لكن لأن الشكل لا يقل أهمية عن المضمون على ما يذهب إليه علم القانون، فإن نظرية عون، وإن حملت صحةً ما، سرعان ما تخسر جوانب من المصداقية كان يمكن أن تكتسبها لو أنها صدرت عن سواه، وفي غير مجلس إحياء ذكرى تاريخية يعود عمرها إلى 99 سنة، ولم تعد تربطها ذيول مع الذاكرة الجماعية للبنانيين. 

والحال أن التاريخ هو أخطر أدوات الأيديولوجيا والديماغوجيا باعتبارهما فعلاً أفيوناً عاماً. وأخطر أشكال الأيديولوجيات والديماغوجيات، هي الشعبوية الفارغة إلا من اجتزاء التاريخ ومد جسور تصل ما بين الحاضر وماضٍ سحيق بمجرد صيحة، بإحالة عابرة، بانتقاء لحظة وفصلها عن سياقها، بتكرار وقائع أو أساطير، لا يهم، على المسامع، إلى أن يصبح أي تفكير نقدي فيها محرماً يدنو من رتبة الخيانة العظمى المعروف عقابها. يكفي اصطفاء مناسبة عناوينها تفوح بالتاريخ، في لحظة أزمة وطنية مثلما هو حال لبنان دائماً على كل حال، ورفع الصوت، ثم تتكفل وسائل التواصل الاجتماعي أولاً، والإعلام "التقليدي" من بعدها، بالباقي. وهل من لحظة أفضل من ذكرى 99 عاماً على إعلان "دولة لبنان الكبير" لكي يضرب سياسي شعبوي مثل ميشال عون ضربته، وليستعيد زمام النجومية من سياسيين كثيرين سرقوها منه في الأشهر الماضية؟
لا محظور على العودة إلى التاريخ الشائك، لا في الأكاديميا ولا في السياسة. لكن في السياسة، في الخطاب الوطني وفي البرامج الانتخابية أو خلال السعي إلى تأمين إجماع ضد عدوّ، تلك العودة إما تكون من بوابة شدّ العصب أو من زاوية فتح نقاش عام بغية إجراء مصالحة تاريخية غداة حرب أهلية مثلاً، أو على العكس من هذا وذاك، تحصل الاستعانة بالتاريخ لتعميق انقسامات، داخلية أو مع الخارج. فما الذي أراده ميشال عون من اختصار تاريخ 400 عام بكلمتي "إرهاب الدولة" العثمانية؟
على علمنا أن المصالحة بين لبنان ووريثة السلطنة العثمانية، أي تركيا، حصلت بالفعل، إلا بالنسبة لطيف قليل جداً من حَمَلَة الهوية اللبنانية، أي اللبنانيين ــ الأرمن الذين يتحالف معهم ميشال عون وحزبه منذ عودته إلى لبنان قبل 14 عاماً. هؤلاء، أو غالبيتهم الساحقة، يرفضون طي كتاب دموي، وهو ما لا يساعدهم فيه حكام تركيا منذ تأسست الجمهورية. وإن كانت المصالحة اللبنانية ـ العثمانية حصلت منذ عقود ولم يعد يذكرها أحد إلا من مصطادي العداوة السنية ــ الشيعية، ما الجدوى من إثارة ميشال عون هذا السجال في مناسبة احتفالية لا يفترض أن يكون النكد شعارها العريض؟ ما الداعي لفتح ملف صار منذ قرن إلا عاما، بعهدة أهل التاريخ ودارسيه؟ لو كان الزمن عهد انتخابات، لقلنا إن الحسابات الوضيعة للاقتراع ولسرقة أصوات الناخبين ربما أملت على الرجل قول ما قاله، لكن الحال ليس كذلك. ولو أن تركيا التي نعرفها، لا تلك العثمانية التي تشغل بال عون، تناصب لبنان الرسمي والشعبي العداء، لفُهم شتم أجداد أردوغان. وإن كان ميشال عون يدرك الحساسيات التركية (المفرطة والمؤسفة) إزاء التاريخ العثماني، وتقصّد رغم ذلك شراء أزمة مجانية، تكن مصيبة. وإن لم يكن يعرف شيئاً عنها، فنحن أمام مصيبة مضاعفة.
قبل عامين، أي عندما كان عون نفسه رئيساً للجمهورية، أطلق وزير السياحة اللبناني، أواديس كيدانيان، كلاماً علنياً (لا مسرّباً) هو فضيحة مكتملة الأركان في كل مكان إلا في لبنان. قال الوزير الأرمني مثلما هو واضح من اسمه ومن كنيته: "لا أرحب أبداً بوفود تركية سياحية تزور لبنان، فأنا أكره تركيا بمن فيها ولن أتعامل مع منتجات هذا البلد أو سياحته". ربما نكون فهمنا في الأمس فقط، عندما استمعنا إلى الدرس التاريخي الذي ألقاه ميشال عون، لماذا لم يحصل الوزير الأرمني ــ اللبناني في حينها على تأنيب أو إقالة أو محاسبة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عن استقالات في الجيش التركي
التالى اللاتوقعية في سياسة عهد ترامب الخارجية