أخبار عاجلة

رجعت جبينة ولم تعد رشيدة

رجعت جبينة ولم تعد رشيدة
رجعت جبينة ولم تعد رشيدة

للذين لا يعرفون جبينة، ولم يسمعوا بها من قبل، نقول هذه هي بطلة فانتازيا شعبية ذائعة الصيت، تناقلتها ألسنة الجدّات والأمهات على مر الأجيال، قبل أن يتم تدوينها في المرويات التراثية للشعب الفلسطيني، وربما بقية شعوب بلاد الشام، حكايةً مسكونةً بدلالاتٍ رمزية باذخة، تخاطب الأطفال بالدرجة الأولى، وتثري خيالاتهم الغضة، خصوصاً منذ أحال عليها واستنطقها إميل حبيبي في روايته الملحمية "المتشائل".

وجبينة هي البنت التي أتت لأبوين لم يُنجبا لفترة طويلة، ابتهلت الأم خلالها، وتضرّعت إلى السماء كثيراً أن يرزقها الله بمولودة تكون بيضاء كقرص الجبنة، بشعر أشقر وعينين زرقاوين. إلا أن الصبية الفاتنة جلب لها الحسد والغيرة من أترابها البنات، اللواتي تآمرن عليها، ودبّرن لها مكيدةً انتهت باختفاء الصغيرة، لتعود، في نهاية الحكاية، زوجةً لأمير شاب، ترفل في ثياب العز، وسط فرحةٍ غامرةٍ، راح فيها الأطفال يطوفون الأزقة، مبشرين مرددين "رجعت جبينة".
حضرت هذه الحكاية إلى الذهن بتفاصيلها الكاملة، عندما قرّرت عضو الكونغرس الأميركي، رشيدة طليب، الحفيدة المتَخيّلة لجدّتها جبينة، زيارة مسقط رأس أبويها في إحدى قرى غرب رام الله، لتفاجأ بقرار اتخذه بنيامين نتنياهو، بتحريضٍ علني من دونالد ترامب، مُنعت بموجبه من القيام بهذه الزيارة التي كانت ستحاكي، من بعض الأوجه، حكاية جبينة التراثية، وربما كانت ستقص على مسامعنا، في زمن مغاير، وبأدوات اتصالٍ معاصرة، قصة حقيقية لفتاة أخرى، رجعت إلى ذويها رجعة جبينة السعيدة.
كانت جدّة رشيدة التسعينية، الحاجة مفتيّة، تعد، على طريقتها الفلاحية، وعلى بساط أحمدي، العدة اللائقة برجعة الحفيدة الفلسطينية الأميركية الفخورة بإرثها وزي ستها ونضالات شعبها، من استقبالٍ حافل، ووليمةٍ عامرة، إلى أكلة تين يانع عن الشجرة المباركة، لولا أن خوف الطغاة من الذكيات، وخوف الغزاة من الأغنيات (حسب محمود درويش) أجهض المناسبة قبل أن تبدأ، فافترقت هنا خاتمة الحكايتين، حيث رجعت جبينة، فيما لم تعد رشيدة.
وأحسب أن ما قاله محمود درويش آنفاً عن خوف الغزاة، قالته رشيدة طليب بكلماتٍ أخرى، حيث عقّبت على قرار منع الزيارة "هذه علامة ضعفٍ وخوفٍ من كشف الحقيقة بشأن ما يحدث للفلسطينيين تحت الاحتلال"، وشاركها في حكمها هذا كثيرون من المشرّعين الأميركيين، والإعلاميين، وقادة الرأي العام، بمن في ذلك يهود يخشون خسارة تأييد الحزب الديمقراطي والطلاب والشباب، ويخافون بشدة انكشاف كذبة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
في السياسة، كانت زيارة رشيدة تعد بفتح نافذةٍ صغيرةٍ لتظهير ما يجري من ظلم وقمع للفلسطينيين، وتسليط ضوء قليلٍ على همجية المحتلين، فيما جاء المنع الهادف إلى التغطية على جرائم الاحتلال بمثابة رصاصةٍ مرتدةٍ أصابت إسرائيل في الصميم، حيث أدى هذا القرار الأحمق إلى فتح نقاش لا سابق له داخل الملعب الأميركي المقتصر تاريخياً على لاعب واحد، يروّج روايته من دون منافس، يزوّر الوقائع، ويتهم أي معارضٍ لسياسات نتنياهو بأنه معادٍ للسامية على طول الخط.
وهكذا انقلب السحر على الساحر بين ليلة وضحاها، فبدل أن يستمر حجب الانتهاكات الإسرائيلية، والتغطية على الممارسات الوحشية، أتى منع رشيدة طليب بصورة فظة، محققاً جملةً طويلة من النتائج العكسية غير المتوقعة، حيث أدى الأمر إلى حدوث انشقاق أعمق من ذي قبل لدى الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، وإلى إيجاد شعور بالإهانة، لا سابق له، داخل الحزب الديمقراطي، وإلى ظهور دعوة غير مسبوقة إلى وقف الدعم الأميركي لإسرائيل، ناهيك عن ارتفاع موجة نقدٍ متعاظمة، هي الأولى من نوعها، ضد إسرائيل ونتنياهو.
وفي المحصلة غير النهائية، حقق منع الزيارة نتائج فورية، فاقت كل ما كان مرجوّاً من إتمامها، حيث بات صوت عضو الكونغرس، رشيدة طليب، أقوى أمام حملة الكراهية الموجهة لها ولزميلاتها ذوات البشرة الملوّنة. وأصبحت منذ الآن أشد فاعلية، وأكثر إقناعاً وصدقية وقبولاً مما كانت عليه بالأمس، عندما كانت تترافع عن المبادئ التي تعتنقها، كما أنها غدت أوسع شعبيةً عما كانت عليه قبلاً، وتحوّلت إلى شخصية رمزية مثيرة للإعجاب في أوساط جاليتها العربية الفلسطينية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل