الدحيح والهيبة الأكاديمية

الدحيح والهيبة الأكاديمية
الدحيح والهيبة الأكاديمية

من أجمل وأهم وأعمق ما يمكن العثور عليه في أثناء تجوالك بين قنوات "يوتيوب"، وأنت تبحث عن الجديد والمختلف والنوعي، حلقات برنامج استثنائي، من شأنه بث الأمل في غد هذه الأمة المنكوبة بعد طول يأس، يقدمه الشاب العشريني المبدع المصري أحمد الغندور تحت عنوان الدحيح. استرعت المفردة الغريبة انتباهي، فوقعت غير مأسوفٍ علي في هذا الفخ المعرفي الجمالي المتنوع. وكنت كلما انتهيت من حلقة أجدني، على الرغم من النعاس والتعب، مشدودة لمتابعة المزيد. لعل ما تابعته حتى الآن بلغ المائة حلقة رشيقة ممتعة، بسبب الأسلوب خفيف الظل، اللماح الذكي، الذي يميز هذا الشاب الموهوب. وتعني مفردة الدحيح الطالب الذي يدرس بعمق وبجهد كبير.

درس أحمد الغندور علوم الأحياء في الجامعة الأميركية في القاهرة، وأنشأ قناة على موقع "يوتيوب"، نشر من خلالها مقاطع فيديو، عمل من خلالها على تقديم مواد علمية، يعتبرها الناس جافّة ومعقدة ومملة، بأسلوب مبسط لا يخلو من طرافة، وقد تجاوز فيها عرض المواد العلمية، مثل الفيزياء والكيمياء المجرّدة إلى الطب والتكنولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة والميثولوجيا والأديان والفنون، ما عرّضه لهجمة بعض الأصوليين، والتعرّض لتهمة تبسيط العلوم ونشر الفلسفة المادية الإلحادية، خصوصا عندما تحدّث عن مواضيع جدلية، مثل التطور ونشأة الكون وفكرة وجود الأكوان الموازية. يعتبر هؤلاء الأصوليون أن مواضيعه تتميز بالخطورة، كونها تصطدم مع ثوابتهم غير المبنية على أسس علمية، انطلاقا من انغلاقهم ورفضهم أي مختلف، كما يأخذ بعضهم عليه أسلوبه الساخر الكوميدي، علما أن هذا الأسلوب المتميز ساهم في جذب ملايين من المشاهدين المتعطشين للمعرفة، الضجرين من كم السطحية والتفاهة اللتين تميزان هذا الفضاء المفتوح على كل التناقضات الممكنة.
نجح الغندور في قلب المعادلة، وتحطيم الصورة التقليدية للعالم الرصين الذي يضع بذريعة الهيبة الأكاديمية حواجز كبيرة بينه وبين المتلقي، ما ينفرّه من متابعة القضايا الجادّة والعميقة التي تساهم في زيادة الوعي، وتوجيه الشباب نحو آفاق العلم والتأمل والبحث والتفكير المنطقي، بعيدا عن أسلوب التلقين البائس الذي دمر أجيالا وحدّ من قدراتها على الابتكار، وتجاوز طرق البحث التقليدية القائمة على تقديس فكر السلف، من دون إخضاعه للتدقيق أو إعادة النظر بما يتناسب والتقدم العلمي والثورة المعلوماتية التي اكتسحت الدنيا، ولم تكن لنا فيها أي مساهمة تذكر.
من هنا، لا بد من الاحتفال والإضاءة على تجربة الدحيح، باعتبارها محاولةً مخلصةً تسعى إلى تعميم المعرفة، سلاحا وأداة تقدّم وتطور لا مناص من التزوّد بها، وإلى التحريض على مواصلة التحدّي، والغوص عميقا في كل العناوين. تعزز ذلك المشاهدات المليونية لمنتجه، وذلك بعد تعاقده مع شبكة "إي جي بلس" التي ساهمت في توسيع دائرة متابعيه بدرجة كبيرة. يلمس المتابع للدحيح الجهد الكبير الذي يبذله أحمد وفريق الإعداد ومدى حرصه على الدقة من خلال الإشارة في كل حلقة إلى المصادر، بالإضافة إلى استثمار قدرات أحمد الكوميدية الدرامية واللغة البسيطة الشعبية خفيفة الظل، والاختيار الذكي لموقع التصوير البسيط الذي يمثل غرفة شاب عربي فضولي منعزل، يقضي وقته في الدراسة والبحث في جذب المشاهدين، حتى من غير المولعين بالمواد العلمية، واكتشاف متعة التعلم والاطلاع، وطرد أسباب الملل التي قد تصاحب هذا النوع من المحتوى غير التقليدي.
تحية كبيرة لأحمد الغندور، وهو يساهم، مع أمثاله من الشباب العربي، في صنع ملامح مستقبل عربي يمتلك مقومات إحداث تغيرات حقيقية، تنهض بنا من واقع ملتبس غير مشرق، ودعوة للمهتمين بمتابعة هذا الشاب الفذ الذي يبشر بأملٍ كثير.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل