أخبار عاجلة
تعرف على مآسي شريهان في عيد ميلادها الـ55 -
ريفي بذكرى ميلاد كمال جنبلاط: الكبار لا يغادرون -
مؤسس تيسلا بريء من تهمة تشهير -

العرب والعولمة

العرب والعولمة
العرب والعولمة

لن ندخل هنا في استعراض المعطيات المتداولة، في موضوع عمليات التعولُم الجارية في عالمنا. بل نتجه أساساً إلى التفكير في الكيفيات التي يُواجه بها العرب مختلف التحدّيات التي تفرزها عمليات تَعَولُم الاقتصاد والثقافة والمجتمع، بسبب ما أصبحت تمارسه الطفرة التقنية وآلياتها الجديدة في الاتصال، من اختراق وتنميط قسريين لمختلف مظاهر الحياة. 

نفهم عمليات التعولُم الجارية باعتبارها سيرورة تاريخية في طور التشكُّل، وهي وإن كانت تشكل اليوم واحدا من مظاهر خيارات سياسية وإيديولوجية، تستند إلى الأدوار الموكولة إلى مؤسسات اقتصادية ومالية كبرى، تروم تعويض الأدوار التي كانت تمارسها الدول الاستعمارية، في مرحلة الإمبريالية التقليدية، في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إلا أنها ترتبط، في هذا الطور من سيرورتها، بديناميات مجتمع المعرفة وروافعه التقنية الجديدة.
وإذا كانت الأوضاع في العالم العربي ما تزال دون مستوى بناء ما يؤهل مجتمعاتها للانخراط في الأزمنة المعاصرة بالفاعلية المطلوبة، من أجل التمكُّن من تحقيق حضور فاعل ومنتج في التاريخ، فإن مصيرنا أمام عمليات التعولُم الجارفة لن يتجاوز، في ظروفنا الحالية، جملةً من ردود الأفعال داخل عتبة الهامش، فكيف نواجه ظواهر العولمة التي تتجه إلى فرض منطق معين على العالم؟ كيف نواجه التنميط القسري الذي تفرضه العولمة الثقافية والإعلامية؟
تساهم عولمة الصورة، وقد أصبحت اليوم واقعاً فعلياً، في عملية تحويل العالم إلى سوقٍ في 
"معركتنا اليوم وغداً مع مختلف مظاهر تأخرنا تُعَدُّ مدخلاً مناسباً لترتيب دوائر علاقاتنا في ما بيننا"
خدمة مؤسسات وشركات عملاقة عابرة للقارات ومخترقة للمجتمعات، وذلك لحساب آلية في العمل الاقتصادي، الهادف إلى تطويق العالم في إطار منظومةٍ سياسية اقتصادية وأخلاقية محدّدة، معادية للتعدد والاختلاف ومتاجرة بالقيم، منظومةٍ تناهض كل الدول وكل أشكال الحكم في العالم، بمنطق المصلحة والمنفعة. تُشْهِرُ سلاح حقوق الإنسان أمام أنظمة معيّنة، وتُشْهِر سلاح الديمقراطية أمام أنظمة أخرى، وتُبَرِّر الجرائم الكبرى والتدخلات المفضوحة الحاصلة في عالمنا، وتحاصر من تشاء تحت أغطيةٍ وشعاراتٍ معينة، بهدف بناء نظام من العلاقات الدولية لا يعطي أي اعتبار لمبدأ التعاقد الدولي، قدر ما يركّز في مواقفه على مبدأ المصالح الأنانية المباشرة التي تجعل أنظمةً وفئات ومؤسسات بعينها فوق الجميع. وهذا المنطق، وإن يأخذ، في الشكل، بمبدأ المصالح الوضعي والتاريخي، فإنه في النتائج المترتبة عنه يعد معادٍيا للإنسان وللتاريخ.
يمكن أن نفتح ونحن نُواجِه آليات التعولُم الكاسحة مجالات للنقاش النقدي المسؤول، والمتجه نحو فضح تناقضات الخطابات السياسية والإعلامية التي يعمل الغرب داخل مؤسسات المنتظم الدولي على ترويجها والدفاع عنها، ثم تمريرها خدمةً لاندفاعه المتوحش، على حساب قاعدة إنسانية أعرض وأوسع، في كل من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، بل وحتى في بعض المناطق في أوروبا، وأحياناً داخل البلدان والمجتمعات التي تتحكَّم بَعْضُ مؤسساتها في تدبير جوانب من مساراته.
تتيح لنا المواجهة المذكورة بناء هامش مُعَيَّن للتدخل والمناورة. وإذ كان مؤكّدا أن طريق المواجهة يكون أولاً بالعمل على إعادة بناء الذات، وأن الخطوة الأولى في هذا البناء تتمثل في ضرورة الانخراط في عمليات التحديث السياسي، ثم بناء تكتل اقتصادي سياسي فاعل في 
"مبدأ التكيف الإيجابي الذي لا يكتفي بالتشهير أو الرفض السياسي للظاهرة هو المبدأ الذي يمكن أن يساعدنا في بناء مواجهةٍ أكثر فاعلية"
محيطيه الإقليمي والدولي، فإذا لم نتمكَّن من تحقيق ذلك، فإننا سنواصل تبعيتنا المكشوفة، أو سيستمر بعضنا في نقد العولمة وآلياتها في التنميط، من دون أن يكون قادراً على مواجهة مختلف الآثار والنتائج التي ما فتئت تترتب عنها، في تلافيف مجتمعنا واقتصادياتنا وثقافتنا، حيث تعمل الصورة المنقولة بواسطة وسائط التواصل الجديدة على بناء كائناتٍ لا نستطيع تصوُّر ملامحها بالضبط في آجال قريبة؛ نقصد بذلك الإنسان الجديد الذي يتربّى منذ سنوات، في إطار تقنيات الاتصال الجديدة في المجتمع الشبكي، ويَتَشَبَّع بقيمها وفتوحاتها المعرفية.
لا نستطيع مواجهة مظاهر العولمة وتقنياتها المتطوِّرة بالخطاب الرافض لها وبصورة مطلقة، ففي التاريخ لا تصنع الوقائع، ولا تحصل المكاسب بالمواقف المكتفية بالرفض من دون بحث عن البدائل. لهذا السبب، يبدو لنا أن مبدأ التكيف الإيجابي الذي لا يكتفي بالتشهير أو الرفض السياسي للظاهرة هو المبدأ الذي يمكن أن يساعدنا في بناء مواجهةٍ أكثر فاعلية، حيث نستطيع توسيع دائرة المناورة، من أجل فعل مقاوم لعمليات التعولُم، فعلٍ أكثر نجاعة.
معركتنا اليوم وغداً مع مختلف مظاهر تأخرنا تُعَدُّ مدخلاً مناسباً لترتيب دوائر علاقاتنا فيما بيننا، وهو الأمر الذي يُمَكِّنُنا في حال حصوله، من مغالبة تحديات خارجية كثيرة، وفي مقدمتها تحديات العولمة والتعولم. صحيحٌ أنه لا يمكننا أن نفصلَ اليوم بين معاركنا الداخلية ومعاركنا الخارجية، إلا أن التدبير التاريخي العقلاني لإشكالات تأخرنا في الداخل، وأشكال هامشيتنا في الخارج، يتطلب قليلاً أو كثيراً من الحسم والاختيار، كما يتطلب حصراً للأولويات، فلا وقت اليوم لا للاستهانة بما يحصل أمامنا، ولا وقت للانتظار.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق في محاكمة شعبان عبد الرحيم
التالى "مش رح يكسرونا"