الصهاينة والفرنجة

الصهاينة والفرنجة
الصهاينة والفرنجة

تظهر بين الفينة والأخرى في المنابر الإسرائيلية مقارنات تاريخية بين كينونة دولة الاحتلال وممالك الفرنجة في الشرق التي أقيمت إثر الحملات الصليبية إبّان القرون الوسطى. ويذهب معظمها إلى استفظاع هذه المقارنة. وربما يعود أحد أسباب هذا إلى رفضها الباطني بصورة واعية تماماً، بالأساس من جرّاء النهاية المأساوية التي آلت إليها تلك الممالك، على الرغم من سنوات عمرها. ويمكن على صعيد الخلاصات المتعلقة بالكينونة، التمييز بين نوعين رئيسيين من المقارنات:
الأول، النوع الذي يرى أن تلك الممالك كانت كولونيالية مبنًى ومعنًى، وظلت تخوض صراعاً وحروباً مع محيطها المشرقيّ، ولم تستطع أن تحيا بتعايشٍ معه، ولذا قُضي عليها قضاء مبرماً في نهاية المطاف. وبرأي أصحابه هنا يكمن الفارق الجوهريّ بينها وبين إسرائيل التي ينفون عنها أي صفة كولونيالية.
الثاني، النوع الذي يلفت، على نحو خاص، في عمق تلك المقارنة، إلى أن الفرنجة والصهاينة اعتبروا أنفسهم جسراً للغرب في منطقة غريبة ومعادية. ويعيد أصحابه التذكير بما كتبه هيرتزل في كتابه "الدولة اليهودية" إن الصهيونية ستكون في فلسطين سوراً للحضارة الأوروبية ضدّ البربرية (يقصد الإسلامية). ومثّل على هذا النوع في فترة مبكرة المؤرخ شموئيل أوسيشكين عبر كتابه "غرب في شرق: تاريخ الصليبيين في فلسطين" الذي نُشر عام 1931 في تل أبيب، وكان يرمي منه إلى ضرورة الاستفادة من هذا التاريخ، بغية إنجاح المشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة كيان يهودي في فلسطين.
ولعل أحد أبرز الذين عادوا مراراً وتكراراً إلى النوع الثاني هو الصحافيّ الإسرائيليّ أوري أفنيري، سواء في مقالاته، أو في كتاب سيرته الذاتية، فهو يؤكد مثلاً في نهاية عام 2017، قبل وفاته بقليل، أن المقارنة بين الحركتين ما زالت مهمّة، كونها توفّر مصدراً للتفكير وللتعلّم كيف لا يكون الصهاينة مثل الفرنجة، بوصف ذلك سبيلهم الأكثر ضماناً إلى البقاء.
من ناحية السردية التاريخية الإسرائيلية، يتم التركيز في هذا الشأن، كما تُنمذج على ذلك مناهج التعليم الرسمية، على تاريخ الشعب اليهودي، لا على البلد. ووفقاً لأبحاث عديدة، يبدأ هذا التاريخ في فلسطين بإبراهيم الخليل، ويستمرّ حتى قمع ثورة بار كوخفا عام 136م. ومن هذه النقطة الزمنية فصاعداً، يتجاهل تاريخ الأرض/ البلد، ويركّز على مختلف الأماكن في العالم، ويهتّم بالأحداث التي تتعلق باليهود، وخصوصا الاضطهاد والمذابح. ويستمر على هذا المنوال حتى 1882، وهو عام أول هجرة يهودية قام بها أتباع "منظمة بيلو" التي كانت جزءاً من حركة "أحبّاء صهيون"، من روسيا القيصرية إلى فلسطين التي كانت تسيطر عليها آنذاك الإمبراطورية العثمانية.
ويذكر أحد الدارسين أن هذا المنحى بدأ عند أفنيري، عندما قرأ، في أثناء حرب فلسطين عام 1948، كتاب المؤرخ السكوتلندي ستيفن رنسيمان "تاريخ الحروب الصليبية"، واكتشف أنّ الفرنجة تحصّنوا في المواقع ذاتها التي تحصّن فيها الإسرائيليون في مقابل قطاع غزة. وعقب ذلك، قرّر أن يكتب رسالةً إلى مؤلف الكتاب، وحصل على ردّ خطيّ منه فوراً، دعاه فيه إلى زيارته في منزله، إذا ما سنحت له الفرصة يوماً بزيارة لندن. وتسنّت له فرصة كهذه، بعد أسابيع قليلة، وهاتفه فدعاه لزيارته حالاً.
وبموجب ما روى أفنيري عن ذاك اللقاء، كان أول سؤال عرضه على رنسيمان: "عندما ألّفت كتابك، هل خطر في بالك أنّ هناك تشابهاً بين الصليبيين في الماضي والصهاينة في أيامنا؟"، فأجابه الأخير: "ليس أن ذلك خطر في بالي فحسب، بل أيضاً أردت أن أضع للكتاب عنواناً فرعياً: ’دليل للصهاينة حول ماذا عليهم ألا يفعلوا’. لكن أصدقائي اليهود نصحوني بتجنّب هذا".
كما روى عن جدل بشأن أوجه الشبه بين أبرز الشخصيات الصليبية والصهيونية، كما هي بين هيرتزل والبابا أوربان الثاني، وديفيد بن غوريون والملك بالدوين الأول، وأرناط أو رينالد دي شاتيون وموشيه دايان وأرييل شارون، ومجلس (سينودس) كليرمونت والمؤتمر الصهيوني الأول في بازل.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تلميذ محطم
التالى علاء الدين.. نسوية واستشراق