أخبار عاجلة
اقفال طرق النبطية ومرجعيون وحاصبيا -
رسالة من وزيرة الداخلية الى المتظاهرين -
مخزومي: لحكومة تكنوقراط -
أرسلان: لاسترداد الأموال المنهوبة من الكبار -
نقابة موظفي شركتي الخليوي أرجأت مؤتمرها الصحفي -
جعجع: لاستقالة الحكومة -
مطالب في بعلبك لتحويل الحكومة من سياسية الى عسكرية -
حاصباني: نحن بحاجة إلى حكومة تكنوقراط -

رمية خائبة ضد الرزاز

رمية خائبة ضد الرزاز
رمية خائبة ضد الرزاز

عندما سمّوا الإعلام سلطة رابعة، أرادوه أن يكون رقيباً يكشف ويتابع، لا أن يكون قاضياً. ببساطةٍ لأن القضاء سلطة ثالثة، فلا يجوز لمن يزاول الإعلام، مهما بلغت احترافيته، أن يحكم على أي جهةٍ، أو شخصٍ، بإدانة أو براءة. له أن يتهم، مستنداً إلى وثائق وأدلة وقرائن، ويطالب القضاء بمسؤولياته. هذه بديهية، غير أن زملاء في مهنتنا، نحن العاملين في الصحافة، يستسهلون التجرّؤ على فلان أو علان، بناءً على شواهد، قد تكون محقّة ومقنعة، وقد لا تكون، من دون أي تحرّز. ويحدُث أحيانا أن يتشاطر بعضُنا، فيكتفي بإشاعة الشُّبهة في هذا الفلان أو العلان، مع الحذر من رميه بهذه المنقصة أو تلك. ولأننا، أهل هذه المهنة، من المفترض أن نقيم على انحيازٍ إلى حرية الوصول إلى المعلومة، وحريات التعبير عن الرأي، ومن اللازم أن نكون مطبوعين بالارتياب من السلطة، وشغوفين بنقدها وانتقادها، وعدم التسامح مع أي تقصيرٍ أو خطأ منها، فإننا، في وقائع التصادم بين الصحافي ورجل السلطة، ميّالون دائما إلى اعتبار الأخير خصما والزميل محقّا. 

ظلالٌ من هذا كله تبدّت في واقعة انفعالٍ طفيفٍ ظهر عليه رئيس الحكومة الأردنية، عمر الرزاز، في إجابته على سؤال مذيعة قناةٍ تلفزيونيةٍ محلية، يتعلق بقضية شراء مؤسّسة عامة، كان الرزاز مديرها قبل اثنتي عشرة سنة، قطعةَ أرضٍ بغاية استثمار ما، بحثتها لاحقا هيئة مكافحة الفساد، وتعامل معها القضاء المختص، ثم انتهيا إلى عدم إدانة أحد. أجاب الرزاز بكلام منطقي، موجزه أنه لا علاقة له بالموضوع، وأن على القناة التلفزيونية التي تمثّلها المذيعة، إن كانت لديها وثائق جديدة في ذلك الملف، أن تذهب بها إلى القضاء وجهات التحقيق في الدولة. وكانت نبرة الغضب الطفيف في نبرة الرزاز واضحة، سيما وأنه افترض من القناة أن تتابع مؤتمراً خاصاً بالمستثمرين المغتربين الأردنيين، افتتحه لمّا سألته المذيعة. وإذا كان لنا أن نؤاخذ الرزاز على خروجه عن هدوئه المعتاد، وحلمه المشهود، فإننا، في الوقت نفسه، نقرّ له عدم خروج أي مفردةٍ منه تنطوي على أي إساءةٍ أو شطط، بل ظل يكرّر احترامه الصحافة ودورها.
كان طبيعيا أن تنتعش القصة هذه في "السوشيال ميديا"، وأن تتنوّع المواقف بشأنها، بين من ناصر الصحافية بلا حدود ومن انتقدها، ومن أخذ راحته في "نهش" الرزاز، ومن تفهّم غضبه (الطفيف). ولكن القناة التلفزيونية بثت لاحقا تحقيقا قيل إنه استقصائي بشأن قضية شراء تلك الأرض (فرق كبير بين السعر الذي اشتُريت به وما تستحقه، بحسب كثيرين)، اشتمل على جملةٍ من السقطات المهنية، لم تجعله موفقّا في الغرض الذي توخّاه، وبدا أن مقصده استثارة موقفٍ من الرزاز، بشأن مسألةٍ يُفترض أن له صلةً ما بها إبّان موقع مسؤوليةٍ له سابقٍ قبل أزيد من عشر سنوات. ولا بأس في أمرٍ كهذا، لو أن التحقيق تمكّن جيدا منه، وأقنع المشاهدين بأن شيئا من "الفساد" حدث في شراء قطعة الأرض تلك (في غرب العاصمة عمّان)، ليكون هذا التحقيق التلفزيوني (الاستقصائي) سببا يستدعي إعادة فتح التحقيق في ملف القضية الذي أغلق سابقا.
غابت عن المادة التلفزيونية أي حقائق جديدة، وأي وثائق قوية، وأي شهاداتٍ ذات أهمية مؤكّدة، يمكن التسلّح بها في التوجه إلى جهات القضاء والتحقيق. وغريبٌ أن يسمّي معدّو "التحقيق" شراء تلك الأرض جريمةً، فيما هذه تسميةٌ من اختصاص السلطة الثالثة، القضاء. وكان بائساً من القناة التلفزيونية سخريتها من شخص عمر الرزاز، عندما اعتبرت عملية شراء تلك الأرض أول "مشروع نهضة" له، في إحالةٍ إلى شعاره الذي أطلقه لمّا صار رئيسا للحكومة. وثمّة سقطاتٌ أخرى غير قليلة اجتمعت في "التحقيق"، من قبيل عدم الدّقة في بعض المفردات، وفي نقل بعض التصريحات، وفي أسئلةٍ توجّهت بها المذيعة إلى أشخاصٍ قابلتهم. وفي وسع من هم أكثر كفاءةً من صاحب هذه الكلمات أن يبدوا وجهة نظر أقوى في هذا كله، وفي وسع محامٍ، أو قانوني مختص، أن يدلي برأي أكثر تماسكا في القصة كلها، غير أن الموجز هنا إن عملا إعلاميا نسب نفسَه إلى التحقيق التلفزيوني الاستقصائي خابت رميتُه، عندما ظنّ معدّوه أن في وسعهم، بشيء من التشاطر، أن يصنعوا "خبطةً" ضد عمر الرزاز.. وكنا سنبتهج، نحن جمهرة الإعلاميين، لو نجحوا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى سوزان سونتاغ.. المكافِحة