في جَدوى الإعلام الثّقافي

في جَدوى الإعلام الثّقافي
في جَدوى الإعلام الثّقافي

من هو الإعلامي الثقافي؟ هل هو الصحافي المهني؟ أو المثقّف الذي يكتب في الصحف والمجلات؟ من جرّب العمل المهني في الصّحافة بعد تجربة الكتابة الحرّة، أدرك الفرق بينهما. ولكن، هل يعني هذا حرمان الكاتب الذي يهتمُّ بالشّأن الثقافي من هذا الحق؟ ماذا نطلق على عمله: صحافة أو كتابة رأي؟ أو العمل الحرّ في مجال الصّحافة الثقافية، انطلاقًا من الاهتمام، والقدرة التي يمتلكها الكاتب على الصّياغة، بما أنّ اللُّغة أداة مشتركة بين الصّحافي والمثقف؟ وماذا عن مفهوم الصّحافي الحر الذي يشتغل به صحافيون كثيرون في العالم؟ ماذا يمكن للإعلام أن يقدّم للثقافة؟ هل يمكن أن ينتج ثقافةً أو مشهدًا ثقافيًا بمواصفات معينة؟ أو يكتفي بتسليط الضّوء على المشهد ونشاطاته؟ ما هي معايير توزيع الضّوء على عملٍ ثقافي من دون آخر؟ هل يستطيع الإعلام أن يكون محايدًا في مسألة ثقافية؟ وكيف يحلُّ مسألة ولوج الكاتب الشّاب إلى الإعلام الثقافي الذي ينتصر للاسم المعروف، ولولا الإعلام لما كُرّس كذلك؟ إذًا، كيف يكسّر المثقف غير المعروف حلقة الدائرة الضيّقة للإعلام الثقافي، ولعمل المؤسسات الثقافية؟

من خلال هذه الأسئلة الجديرة بالطّرح، تظهر الحاجة الماسّة إلى الإعلام الثقافي، الذي على الرغم من أنه لا يمكن أن ينتج الثقافة، لكنه يروّجها، وله مسؤوليات تجاه ما يروّجُه. ولكن في غياب فكرة المؤسّسة الثقافية، وحضور فكرة النّضال الثقافي، في مقابل الارتزاق الثقافي، كيف 
"كيف يحلُّ مسألة ولوج الكاتب الشّاب إلى الإعلام الثقافي الذي ينتصر للاسم المعروف، ولولا الإعلام لما كُرّس كذلك؟"
يمارس عمله؟ تذهب معظم التصورات التي تقدّم الإعلام الثقافي إلى أنّه يتجلّى في الإعلام الذي يعالج الأحداث، والظواهر، والتطوّرات الحاصلة في الحياة الثقافية، ويتوجه أساسًا إلى جمهورٍ "نوعي" مَعني ومهتم بالشأن الثقافي. ويظهر في مرحلة معيّنة من تطور الحياة الثقافية، ويسعى إلى مواكبة هذه الحياة، والتّفاعل معها، كما أنه يعكس مستوى تطوّر الحياة الثقافية ونضجها. هنا تبرز كلمة "نوعي" شوكة في حلق المتلقّي. إذا كان الإعلام الثقافي يخاطب المثقف، ويتخاطب منه المثقف مع أنداده، فما الحاجة إليه؟ أليس الهدف الأساسي للإعلام هو التوجّه إلى "العامة"، إلى أوسع الشّرائح الاجتماعية، لإيصال المعلومة، والخبر والفكرة؟
أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي أن عدد القرّاء في تزايد، وأنّ الشّباب غير المنتمين إلى فئة المثقفين الذين يمارسون فعلًا ثقافيًا منتجًا يتزايد عددهم يومًا عن يوم، وهم معنيون بالإعلام الثقافي. إذًا، الخلل يكمن في هذا الإعلام الذي يتوجّه إلى فئة نخبوية افتراضية، ترغب معظم الأحيان أن تكون داخل المادّة الإعلامية، ولا يهمها الباقي. يهتمُّ المثقف عادة بعدد الصحيفة التي نشرت له، والبرنامج الذي ظهر فيه، وهو ليس معنيًا بأيّ نقاش أو موضوع خارج هذا؛ إنه منشغل بإيجاد جمهور، وصنع اسم موثوق ومتواتر في الإعلام، أكثر مما هو منشغل بالثقافة كفكرة أو سلوك.
من جهة أخرى، يطرح الإعلام الثقافي سؤال حالة الثقافة العربية، كنشاط إبداع فردي في جانبه الأدبي. مع غياب أسماء كبيرة تشكّل علامات، وحضور تجارب جديرة بالقراءة، وتزايد تجارب الشّباب الباحث عن طرق جديدة في الكتابة، قد لا ينجح في الوصول إلى ما يحلم به. كما لا يمكن التّغاضي عن حساسية الصحافي، في الإعلام الثقافي المكتوب، من الصّحافي الثقافي في الإعلام المسموع والمرئي، واعتباره مستفيدًا من شهرةٍ لا يحصل عليها صحافي 
"لا يمكن تجاوز سؤال: هل هناك صحافي ثقافي في الإعلام المسموع أو المرئي؟ أو أنه لا يخرج عن مهام المُعد والمقدم؟"
الصحيفة، أو المجلة. كما لا يمكن تجاوز سؤال: هل هناك صحافي ثقافي في الإعلام المسموع أو المرئي؟ أو أنه لا يخرج عن مهام المُعد والمقدم؟ هل ينتقل الإعلامي الثقافي من داخل الاستوديو إلى مقر النشاط الثقافي؟ أو أنه يكتفي بمحاورة الكاتب بين أربعة جدران؟ هل هناك فرق بين المادة الإعلامية المنقولة من مكان الحدث والمادة التي تُسجّل داخل الاستوديو؟ هل لدينا صحافة ثقافية متخصّصة في هذا الإعلام؟ أو أنّ الصحافي المفترض فيه ثقافة عامة شاملة يمكنه أن يشتغل في أكثر من مجال؟ هل يمكن لغير الكاتب وغير المُلمّ بالعملية الإبداعية بشروطها أن يكون صحافيًا ثقافيًا؟ ماذا عن مكانة المادة الثقافية في وسائل الإعلام، مع ضآلة المساحة التي تشغلها الثقافة، مع حصرها في مجالاتٍ معينة، تعكس نظرة المسؤول عنها، والمتلقّي لها معًا.
تُعرّف الثقافة حاليًا بأنّها الأدب والفكر والفلسفة في عمومها. بينما كانت تشمل في بداية التّصنيف كلّ ما هو ترفيه، مع الفنون السّبعة، وبقية وسائل التعبير. لذا تجدُ في عزلِ الأديب والمُفكّر والفيلسوف عن بقية فروع الإنتاج والتفكير، والإبداع البشري في العملية الإبداعية، من خلال قطيعة ملحوظة بين مكوّنات المشهد الثقافي، تجدُ صداها في هذه البرامج والمنشورات، حيث المثقف عادة في رأيها، هو الكاتب.
من المادة إلى طريقة العمل، يتساءل المرء: كيف نقدّم المادة الإعلامية الثقافية؟ المناطق الضيّقة التي يقام فيها النشاط الثقافي تنتقل إلى طريقة نقل النّشاط إلى المتلقي. المثقّف العربي ما زال يرغب في أن يضع ورقة أمامه، مسجّلًا فيها كلّ الكلمات الفخمة والتّعبيرات 
"المثقّف العربي ما زال يرغب في أن يضع ورقة أمامه، مسجّلًا فيها كلّ الكلمات الفخمة والتّعبيرات والاقتباسات الذكية، وأن يثير إعجاب المتلقّي بركامه المعرفي"
والاقتباسات الذكية، وأن يثير إعجاب المتلقّي بركامه المعرفي. وأن يتعالى عليه، لتزيد الهوّة. لذا يواجهُ المثقف الذي هو فرد من بقية الأفراد في المجتمع، ويجد في الثقافة متنفسًا للأنا، المخنوقة بصيغة الجمع، تهمة التّعالي على المجتمع الذي اضطهده، ولم يفهم اهتمامه بالقراءة والكتابة، على حساب الحياة اليومية. أحيانًا تحلّ صفة الانتقام الذي يكون مبررًا حين يكشف آفات هذا المجتمع بتناقضاته، وغرابة أفراده بمن فيهم هو نفسه.
وصل الإعلام الثقافي في البلدان المتقدمة إلى مراحل دُمّرت فيها الفوارق بينه وبقية اختصاصات الإعلام، وأصبح من الممكن جدًا لأيّ شخص مشاهدة برامج تلفزيونية ثقافية، مثلما قد يشاهد أي نوع آخر، ولو ليس بالقدر نفسه، لكن ما يبحث عنه في برنامج آخر قد يجده في برنامج ثقافي، المتعة والفائدة وانعكاسه في المواضيع المطروحة. وفي التجربتين، الأميركية والفرنسية، مثال لما يجب أن تكون عليه البرامج الثقافية، من خلال تجربة برنامج "المكتبة الكبيرة"، المتخصّص في الثقافة والأدب، ويقدّم حوارات خارج إطار الفذلكة، أو التّعالم أو التّعالي. حيث الكاتب جزء من المجتمع، وحتى لو كتب في الفلسفة والفكر، فإنّه يفعل ذلك انطلاقًا من مجتمعه، ومسكونًا بهواجسه، مثال الفيلسوف ميشال أونفري. ومن التجارب الأميركية برنامج أوبرا وينفري التي كان الكاتب يدخل استوديو برنامجها المنوّع، حيث تصبح الثقافة والكتاب جزءًا من الحياة والمجتمع، لا جزءًا منفصلًا عنه. كان يدخل الكاتب من هنا، ويسارع القارئ إلى المكتبات بحثًا عنه. بهذه الطريقة، تغلغل الكتاب داخل المنظومة الاستهلاكية نفسها التي تدخل فيها باقي الأشياء؛ قد يشتري المرء ما لا يحتاجه، أو ما لا يستهلكه، أو ما يكتشف أنه عديم الفائدة. ولكن هذا ليس مستهجنا، لأنه سيدخل ضمن دورة الحياة المعتادة لأيّ منتج تجاري، وفي صميم الحياة اليومية للقارئ، وهذه أبرز الدروس المستخلصة من التّجربة الأميركية: اجعلوا الكتاب حيًا.
صحفٌ تضع لائحة الكتب، وتتحكّم في رواجٍ كتب، وفق كتابة نقدية ومتابعة. يقرأ شخص ما عن كتاب، ويخرج ليشتريه من مكتباتٍ توفّر كل جديد. على عكس الجاري به العمل عندنا، حيث الكتابة عن الكتب تكون بلغة أشبه بالهيروغليفية للقارئ، وإذا لم تكن كذلك وتفاعل معها، لا مكتبات تبيع الكتاب الذي يسعى إليه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق باسيل الفقير يشتهي "فلس الأرملة" تاركاً الثّراء للسياسيين!
التالى "إش لي بدش".. مسرحية "الفرح" السوري