نوّاف الموسوي مشروع بطل تراجيدي؟

نوّاف الموسوي مشروع بطل تراجيدي؟
نوّاف الموسوي مشروع بطل تراجيدي؟

من شروط التحوّل إلى بطل تراجيديّ السعيُ إلى تغيير شروط حياة اجتماعية جائرة، والدخول في أزمةٍ وجوديةٍ تجعل الشخص واقفا على أرض الواقع، غارق القدمين في وحوله ومستنقعاته، متواجها مع ذاته، إذ تشير مبادئه وقناعاته وانتماؤه السياسي إلى سلوك اتجاهٍ، فيما تدفعه الوقائع والعواطف ومشاعره الإنسانية إلى سلوك اتجاهٍ معاكس. هنا بالضبط وقف النائب في ، نوّاف الموسوي (55 عاما) منذ أيام، حين تعرّضت ابنته غدير (28 عاما) لمطاردةٍ من طليقها على طريق عام، كما أظهر شريط فيديو صوّرته شقيقتها، وكاد أن يودي بحياتيهما وبحياة طفلي غدير ذعرا، وهو ما استدعى تدخّل دوريةٍ أمنية اقتادتهما، الزوجين الطليقين، إلى المخفر. 

طبعا، مشكلة الموسوي وابنته قضية متعدّدة المستويات ومعقّدة، يصعب اختصارها بقصة زواج فاشل أدى إلى الطلاق، وإلى التنازع على حضانة الأولاد. غدير ابنة نائبٍ منتم إلى حزبٍ قويّ يقف بصراحة ضد منع تزويج القاصرات، ويعارض بحدّة إقرار قانون حماية المرأة من العنف. وغدير ابنة بلادٍ قوانينُ الأحوال الشخصية فيها (15 قانونا) تابعة للأديان، تمليها الطوائف في قضايا الطلاق والزواج والحضانة والإرث. وفي هذه الحال، تتبع غدير، الشيعية المتزوجة من شيعي، هو حسن المقداد، ابن الشيخ محمد المقداد مدير مكتب الوكيل الشرعي لخامنئي في ، قوانينَ المحاكم الجعفرية وأحكامها التي تمنح الرجلَ حصريا حقَّي الطلاق وحضانة الولد منذ عمر السنتين، والبنت منذ سن السابعة، كما تسمح بزواج القاصرات لأنها، كما سلف، تعارض تحديد سنَّ للزواج.
عرف نوّاف الموسوي ما جرى لابنته أخيرا، فاصطحب شبّانا مسلحين إلى مخفر الدامور (جنوبي بيروت)، حيث قيل إنه أطلق النار على طليق ابنته وأصابه بجراح. ربما، لأنه والدٌ لأربع بنات، وشاهدٌ على العذابات التي عاشتها ابنته، حين مُنعت من رؤية طفليها خلال ستة أشهر، ومشاركٌ في أكثر من اجتماع ومناسبة ولجنة لتحسين قوانين الأحوال الشخصية، التمييزية والظالمة بحق المرأة اللبنانية، والمردّد دائما أنه، وعلى الرغم من انتمائه لحزب الله، "أنا لم أستطع حماية ابنتي، فكيف بالأخريات؟".
يُقال إن الموسوي، وحتى قبل أن يُقدم على تقديم استقالته من مجلس النوّاب، في 18 يوليو/ تموز الحالي، إثر الإشكال مع حسن المقداد، كان قد بدأ يُظهر تحوّلا في مواقفه من تعديل قوانين الأحوال الشخصية، داعيا إلى أن تصبح مدنية، مدافعا عن ضرورة حماية المرأة من العنف، ومواجها بذلك اعتراض المؤسسات الدينية ورجال الدين وغضب حزبه عليه، وهو ما أدى، بحسب كثيرين، إلى تعليق نشاطه، بحجّة تصريح الموسوي العدائي الشهير ضد الرئيس الراحل بشير الجميل.
ومع ذلك، لم يبلغ نوّاف الموسوي بعدُ نهايةَ الطريق، فما زال مصرّا على قناعاته الدينية وانتمائه الحزبي، وهو بذلك أشبه برجلٍ شُرخ شرخين متضادين، فبات جسدا برأسين، أو جسدين برأس. لقد قام النائب الأسبق بخيارٍ أوّل رئيس، هو الدفاع عن ابنته وحمايتها، متخلّيا عن موقعه النافذ كجزء من منظومة سياسية دينية تحمي (وتغذّي) القوانين نفسها التي تقف خلف مأساته. ولو شاء الواحدُ منّا أن يذهب في خياله إلى أقصاه، مستنجدا بالنهايات التراجيدية التي عادة ما تُفضي إليها معارضةُ السائد ومقاومةُ الظالم، والنضالُ من أجل إحقاق الحقّ، لاستحضر أمثلة عدة، لا نتمنّى للموسوي وابنته نهاياتها، مثل أوديب وإلكترا وسيزيف وهاملت وأنتيغون، ممن اضطروا إلى دفع الأثمان غاليةً، دفاعا عن مبادئهم. فقد يكفي، في بعض الأحيان، خصوصا حينما يحظى الإنسان بموجة التعاطف الكبيرة التي حظي بها الموسوي، أن يخلع جلده القديم، ويتخلّى عن بعض القناعات المغلوطة، والانحياز المطلق إلى جانب المستضعَف والمغبون، قبل أن يتحولا إلى ضحيةٍ غير قابلة للاسترداد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى علاء الدين.. نسوية واستشراق