صحافة التهافت

صحافة التهافت
صحافة التهافت
يولد بعضهم صحافيّا بالفطرة، فتتّقد عنده، منذ الصغر، حاسّة البحث عن الخبر، والرّغبة في الاستقصاء، وتظهر عنده بوادر التفنّن في الكتابة مبكّرا، ويكتسب آخرون مهارة العمل الصحافي من طول التدريب والدّراسة، والمداومة على المطالعة، والتمرّس بفنّ نظم الكلام مع تحرّي الدّقة والموضوعية، ولزوم أدبيّات المهنة. في حين ينتحل آخرون صفة الصحافي، ويركبون المهنة بحكم الحظّ، أو المصادفة، أو لقرابتهم من أصحاب القرار في مؤسّسة إعلامية ما. وأغلب الذين يتسلّقون مدارج الصّحافة بطريقة ارتجالية تجدهم لا يعتبرون احترام أخلاقيات العمل الصحافي من أولوياتهم، وتراهم ميّالين إلى الظّهور وإثارة الرّأي العام عبر وسائل إعلام صفراء، تُغدق عليهم من المال بقدر إبداعهم في صناعة الشائعات، وفبركة التهم ضدّ هذا الطّرف أو ذاك، خدمة لأجندة مخصوصة في الدّاخل أو الخارج. وما نشرته صحيفة الأخبار اللبنانية أخيرا ضدّ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وضدّ المفكّر العربي عزمي بشارة، يندرج ضمن هذا السياق.
وأنت تقرأ عنوان ذلك المقال المشبوه، يذهب في ظنّك أوّل وهلة أنّ عزمي بشارة يخدم "أجندة سعودية"، وأنْه متّهم "بذمّ طرف ما والتشهير به، ومحاولة الاستحواذ عليه"، وتخال أيضا أنّ "قطر تستهدف إرث جورج حبش". وتتجاوز ذلك العنوان اللافت، المثير، لتبحث في جليّة الأمر وتفاصيله في متن ذلك المقال، فلا تجد دليلا واحدا على صحّة تلك الدّعاوى، بل تجد أحكاما مجانية، متهافتة، مرصوفةً بالجملة ضدّ قطر، وعزمي بشارة والمركز الأكاديمي البحثي الذي ينتمي إليه. وتتبيّن أنّ صحيفة الأخبار عمدت إلى زجّ هؤلاء جميعا في مسألة خلافية، ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، فتفهم أنّ المراد استبلاه القارئ، واستهداف بشارة، والتشويش على الجهد العلمي للمركز العربي.
ملخّص الحكاية أنّ هيلدا حبش، زوجة القائد الفلسطيني الراحل جورج حبش، مؤسّس الجبهة 
"ليس المركز العربي مؤسّسة ربحية، ولا حاضنة أيديولوجية، ولا يخدم أجندة سياسية معيّنة"
الشعبيّة، كتبت، في بيان، نشرته صحيفة القدس العربي، "إنّ مركز دراسات الوحدة العربية قام بقرصنة مذكرات زوجها، ومصادرة حقوقها الأدبية والمعنوية والتاريخية باعتبارها من أشرفت على جمع تلك المذكرات، وإعدادها، وتحريرها". ولكن المركز المذكور لم يُشر عند النشر، على حدّ قولها، إلى الجهد الذي بذلته في صياغة الكتاب، بل تمّ نسب ذلك إلى مُحرّر آخر، معتبرة ما حصل إساءة لها وللزعيم الراحل، وإهدارا لحقوق العائلة. ومن ثمّة فالخصومة بين أسرة جورج حبش والمركز الناشر، وهي تتعلّق بخلاف بشأن صلاحيات كلّ طرف وحقوقه إبّان عملية النّشر. والعجيب أنّ صحيفة الأخبار اللبنانية، بدل أن تستوضح الأمر من الطرفين المتنازعين، وتُنير القارئ في هذا الخصوص، انصرفت إلى اختراع أسبابٍ واهية لتُوهم المتلقّي بأنّ عزمي بشارة مسؤول عن الأزمة بين الجانبين. واستجمعت مفردات معجم التخوين، والتهوين، والتدمير لتُقنع المتقبّل، من دون جدوى، بوجود مؤامرة دبّرها بشارة للإساءة لجورج حبش وللمركز النّاشر والعاملين فيه. والواقع أنّ بشارة مشغول بتطوير مشاريعه الفكرية والأكاديميّة والإعلاميّة الجادّة، ولا يجد وقتا لتلبية دعوات لحضور مؤتمراتٍ دوليّة، وبرامج تلفزيّة، ومحاورات صحافية، فما بالك بالتفكير في معارك وهميّة من اختراع صحيفة الأخبار. وأنت تقرأ ذلك المقال الذي خجل صاحبه من الإفصاح عن اسمه، لشدّة تهافته، تتبيّن أنّك إزاء خطابٍ مفعم بكثير من الكراهية والقصص الخرافية، والأحكام المجانية الخرقاء التي ليس لها من برهان في الواقع.
على خلاف ما تدّعيه "الأخبار"، ليس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤسّسة ربحية، ولا حاضنة أيديولوجية، ولا يخدم أجندة سياسية معيّنة، بل هو مؤسّسة أكاديمية، علمية، تتبنّى مطلب التنوير، وتشتغل على التاريخ الرّاهن، وعلى البحث والتأليف في شعب العلوم الإنسانية المختلفة، من قبيل العلوم السياسية، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والترجمة، واستشراف المستقبل، والعلاقات الدولية، وغير ذلك كثير. وأثرى المركز المكتبة العربية بخمس مجلاّت مختصّة، وبمواقع إلكترونية تفاعلية، وبـ350 كتابا، خضعت قبل النّشر للتدقيق، والتحكيم، والمراجعة، مثّلت إضافةً نوعية للمشهد الإبيستيمي العربي المعاصر. وساهم المركز في ظهور أقلام عربيّة جادّة، واستقطب مئات الباحثين العرب الذين استأنفوا مشروع النهوض الثقافي العربي، ومكّنوا للتفكير الموضوعي في سياق عربي. ولا تربط المركز بالمؤسّسات الجامعية والمراكز البحثية الأخرى علاقات هيمنة أو استتباع أو استحواذ أو استيلاء أو احتذاء بل علاقات تعاون، وتبادل، وشراكة في مجالات مخصوصة، ونظّم المركز ثلاثة مؤتمرات لتعزيز التشبيك والتعاون بين المراكز البحثية العربية. ومن ثمّة كان أحرى بالمتحاملين على المركز قراءة مطبوعاته، والنهل من فيض إصداراته، ومحاورة أفكاره، بدل التهافت عليه وعلى مؤسّسه.
ومن المفارقات أنّ صحيفة الأخبار التي وصفت، في مقال صدر على صفحاتها في 16 سبتمبر/ أيلول 2006، عزمي بشارة بـ"الخطيب الآسر، والمناضل الشرس، والمثقّف
"عزمي بشارة قاوم الاحتلال الإسرائيلي على الأرض، وكذا بالقلم في فلسطين وفي المنفى"
المثالي"، تعود هذه الأيّام لتُناقض نفسها، متّهمة الرّجل جزافا بـ"تدمير المقاومة الفلسطينية وحركة القوميين العرب.. وبمعارضة كلّ ما له صلة بمحور مقاومة إسرائيل". والحال أنّ بشارة قاوم الاحتلال الإسرائيلي على الأرض، وكذا بالقلم في فلسطين وفي المنفى، وعانى من المتابعات الأمنية والملاحقات القضائية داخل فلسطين وخارجها بتهمة مساندة المقاومة، وبسبب مواقفه المدافعة عن الشعب الفلسطيني، والمنتصرة لحقوقه المشروعة. كما كشف عزمي بشارة في كتاباتٍ عديدة له من قبيل "الخطاب الإسرائيلي المبتور"، "الحاجز"، و"حب في منطقة الظل" ازدواجية الخطاب الإسرائيلي، والسياسات العنصرية، والممارسات القمعية التي ينتهجها المحتلّ ضدّ الفلسطينيين. ويعكف عزمي بشارة، مع ثلّة من الباحثين في المركز العربي، على بلورة مشروع ضخم يُعنى برقمنة الذاكرة الجمعية الفلسطينية وحفظ. ولذلك يبدو من العنت المزايدة على الرّجل في حبّه فلسطين، ودفاعه عن حقوق شعبها، وحقوق العرب كافّة في الحرّية والعدالة والكرامة والدمقرطة.
وأنت تُنهي قراءة ذلك المنشور المُغرض، تترسّخ لديك قناعة بأنّ تلك الصحيفة ومثيلاتها في المشرق العربي قد تتّهم في يوم ما المفكّر العربي عزمي بشارة بأنّه مسؤول عن ثقب الأوزون، وعن احتباس المطر، وارتفاع الأسعار ودرجات الحرارة في أمصار عربية. وإلاّ بماذا نفسّر ذلك الإدراج العشوائي، غير المنطقي لاسم الرّجل في نزاع ثنائي، هو في تمام البعد عنه. وتنضمّ الصحيفة المذكورة بنشرها تلك الأخبار المفبركة إلى نادي صحافة التهافت في العالم العربي، وهي صحافةٌ تضيق بثقافة الاختلاف والرّأي الآخر، وتُجافي الدقة والموضوعية، وتُوالي أنظمةً شمولية، وتختصّ في القذف، والتشهير، والخوض في سيرة الآخرين بغير علم وبغير دليل. وفي المقابل، ستزيد حملة التشويه تلك ضدّ عزمي بشارة والمركز الذي يُديره من التفاف القرّاء والباحثين ومعظم النّاس من حول الرّجل، لأنّ القارئ العربي يُدرك صِدقية مشروعه النهضوي ونُبل أهدافه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى علاء الدين.. نسوية واستشراق