أخبار عاجلة
تعرف على مآسي شريهان في عيد ميلادها الـ55 -
ريفي بذكرى ميلاد كمال جنبلاط: الكبار لا يغادرون -
مؤسس تيسلا بريء من تهمة تشهير -

المغرب والجزائر.. والكرة

المغرب والجزائر.. والكرة
المغرب والجزائر.. والكرة
مرة أخرى، عادت الرياضة لتُصلح، ولو إلى حين، ما أفسدته السياسة من علاقةٍ أخويةٍ بين الشعبين، المغربي والجزائري، وتجلى ذلك بوضوح أكثر هذه المرة على هامش مسابقات الكأس الأفريقية التي تجري أطوارها في مصر. أقول، عادت، لأنها ليست المرة الأولى التي تقرّب فيها الرياضة بين الشعبين، على الرغم من أن البلدين يعيشان أطول حرب باردة في التاريخ مستمرة منذ "حرب الرمال" بينهما عام 1963، وما زالت تداعياتها، وخصوصا قضية الصحراء وتعقيداتها، تجعلها مستمرة، فقد سبق للرياضة أن وحدت مشاعر المغاربة والجزائريين في مناسبات رياضية عدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر برياضة كرة القدم ذات الشعبية الكبيرة في البلدين. فعلى الرغم من العلاقات السياسية المتوترة دوما، ومن أن الحدود مغلقة بين البلدين منذ 1994، والحروب الإعلامية والدبلوماسية التي تكاد لا تتوقف بينهما، إلا أنه كلما حلت مناسبة رياضية عالمية، أثبت الشعبان أن علاقاتهما أكبر من كل الحسابات السياسية والصراعات الدبلوماسية والحروب الإعلامية لأنظمتهما.
آخر مناسبة، قبل نهائيات الكأس الأفريقية الحالية، أكد فيها الجمهوران، المغربي والجزائري، أنهما أقرب إلى بعضهما بعضا، كانت في نهاية كأس العالم التي شهدتها روسيا عام 2018، عندما وقف المشجعون الجزائريون والمغاربة جنبا إلى جنب، داخل المدرجات وفي الساحات العمومية في مدن روسيا، يشجعون فريقي بلديهما ويلوّحون بالأعلام المغربية والجزائرية، وهم يرددون شعار "خاوة خاوة"، وهو الشعار نفسه الذي تردد صداه في مدرجات الملاعب المصرية، عندما كان يلعب أحد منتخبي البلدين في منافسات القارة السمراء التي ستنتهي الأحد المقبل. وقد سبق أن تكرّر المشهد نفسه في مناسبات مماثلة في نهائيات كأس أفريقيا قبل تسعة أعوام في جنوب أفريقيا، وفي البرازيل قبل خمس سنوات بمناسبة نهايات كأس العالم، وسوف يتكرّر مستقبلا في كل مرة يجد فيها الشعبان عواطفهما الكروية مشدودة إلى لعبة المستديرة وسحرها.
ولكن منسوب التعاطف هذه المرة بين الشعبين المغربي والجزائري، خصوصا على أثر الأداء 
"سبق بالفعل للرياضة أن أدّت أدواراً رمزية كبيرة في العلاقات الدولية"
المتميز والرائع لـ"محاربي الصحراء" الجزائريين، يعتبر الأعلى، فقد بلغ درجة خروج مظاهراتٍ تلقائية في عدة مدن مغربية، وخصوصا الواقعة على الحدود المغلقة بين البلدين، لتحية المنتخب الجزائري، والهتاف بشعار "خاوة خاوة" الذي كان صداه يتردّد كل مرة ينتصر فيها المنتخب الجزائري على الحدود، ومن الجانبين، المغربي والجزائري. كما غزت مواقع التواصل الاجتماعي موجة من التعليقات و"الهاشتاغات" التي أرسلت إلى السياسيين في البلدين أكثر من رسالة، لجهة ضرورة وضع خلافاتهما السياسية جانبا، وفتح صفحة جديدة للشعبين والبلدين، تضع حدا للحرب الباردة بينها.
ولكن، كما حدث في السابق، بمجرد ما تنتهي فرحة الكرة، ينتهي مفعول رسائلها السياسة، لأن الساسة يدركون جيدا أن جمهور الرياضة، خصوصا كرة القدم، عاطفي وتلقائي ومتقلب. اليوم معك وغدا ضدك. ينتصر للمنتصر ولا يرحم المنهزم. ولذلك نادرا ما تترجم رسائل هذا الجمهور السياسية على أرض الواقع إلى قرارات أو سياسات. وقد سبق أن خلف قرار الجزائر التصويت لصالح ملف ترشيح المغرب لتنظيم كأس العالم 2026، في الوقت الذي قادت فيه دول عربية تعتبر صديقة للمغرب، مثل السعودية، حملة ضد هذا الترشيح، انطباعا جيدا لدى المغاربة من جارتهم الشرقية التي غالبا ما يصفها إعلامهم الرسمي بالجارة العدوّة. فما هو أثر ذلك القرار اليوم على العلاقات بين البلدين؟ الجواب هو لا شيء. بل، حتى الدعوة التي تبناها مغاربيون من المغرب والجزائر وتونس للتقدّم بملف مشترك بين الدول المغاربية الثلاث لتنظيم كأس العالم 2030، لم تجد أي صدىً إيجابي لدى المسؤولين عن الرياضة في المغرب الذين فضلوا التوجه إلى التقدم بملف مشترك، ولكن مع إسبانيا والبرتغال. ويبدو أن البلدين الإيْبِيرِيّين يتجهان إلى التقدم بملف ثنائي، بدون المغرب، لتنظيم الكأس العالمية خلال السنوات العشر المقبلة على شبه الجزيرة الإيْبِيرِيّة.
ستنتهي مسابقات كأس أفريقيا الحالية، ونتمنّى أن تكون الكأس من نصيب الفريق الجزائري،
"الرياضة يمكن أن تصنع الفرص للسياسيين، وأن تُحدث الانفراج النفسي في الأجواء"
 وسوف تعود الأمور إلى سابق عهدها، عندما ينسى جمهور الكرة شعار "خاوة خاوة"، وتعود الآلة الدعائية في البلدين إلى تعكير جو العلاقات بينهما، كما ظلت تفعل ذلك لأكثر من 56 سنة، فمستقبل العلاقات سيصنعه الساسة عندما يقرّرون تسوية خلافاتهم التقليدية، وفي مقدمتها قضيتا الصحراء وغلق الحدود. الرياضة يمكن أن تصنع الفرص للسياسيين، وأن تُحدث الانفراج النفسي في الأجواء، وقد سبق بالفعل للرياضة أن لعبت أدوارا رمزية كبيرة في العلاقات الدولية، وفي قضايا دولية معقدة كثيرة. حدث ذلك عندما عرف السياسيون كيف يلتقطون إشاراتها، ويترجمونها إلى أفعال وقرارات، وإلى إرادة سياسية، أما الرهان على الرياضة وحدها لحل مشكلات سياسية مستعصية فهو هش، يستغل لدغدغة عواطف الشعوب، وليس لتحقيق آمالها.
وعودة إلى العلاقات المغربية الجزائرية، أدّت الرياضة دورها، وتركت فعلها الإيجابي، عندما أتاحت الفرصة مرة أخرى للشعبين، المغربي والجزائري، للتعبير عن شعورهما الأخوي بتلقائية وعفوية، وبدون وصاية سياسية، والكرة الآن، كما يقول، أهلها، في ملعب الساسة في البلدين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق في محاكمة شعبان عبد الرحيم
التالى "مش رح يكسرونا"