حركات المقاومة بين الموقف الأخلاقي والواقعية السياسية

حركات المقاومة بين الموقف الأخلاقي والواقعية السياسية
حركات المقاومة بين الموقف الأخلاقي والواقعية السياسية
حتى لحظة اندلاع البركان العربي قبل ثمانية أعوام، كانت حركات المقاومة العربية والفلسطينية المسلحة، خصوصا التي برزت على المشهد بعد الانهيارات العربية واتفاق أوسلو، مشدودة إلى الصراع ضد إسرائيل ومتمركزة فيه. ولا شك أنها، وتحديدا وحركة حماس، ساهمت في الإبقاء على الوعي الفلسطيني والعربي الشعبي الرافض للوجود الاستعماري الصهيوني في فلسطين، بعد إقدام قيادة حركة التحرر الفلسطيني (منظمة التحرير) على تتويج عملية التطبيع مع هذا الوجود، بتوقيع اتفاقية أوسلو. وكان حزب الله، مستفيدا من تجربة المقاومة الفلسطينية في ، بإيجابياتها وسلبياتها، ومن الدعم الإيراني، قد أظهر قدرة لافتة على إعادة تنظيم النضال المسلح ضد الاحتلال الصهيوني الأرض اللبنانية. وسُجل نجاحه في طرد المحتل، بدون أي شروط، عام 2000، في ثاني أهم المعارك العربية ضد إسرائيل، بعد معركة عبور الجيش المصري قناة السويس وتحطيمه خط بارليف المنيع عام 1973. وجاء رد مقاتلي الحزب على العدوان الصهيوني عام 2006، والذي استمر أكثر من شهر، ليظهره نموذجا مقاوما فريدا وجذّابا في مشهد عربي رسمي قاحل. وبفضل هذا الأداء العسكري والإعلامي، والصمود الأسطوري، ضد المعتدي، حظي الحزب، وقائده، حسن نصرالله، بشعبية عربية لم يحظ بها سوى عبد الناصر.
أما حركة المقاومة الفلسطينية، حماس، فقد تحولت إلى حركة مقاومة منظمة ومستقلة، بعد خروج الاحتلال الإسرائيلي من داخل قطاع غزة، وتعزّزت بعد الانقلاب الذي نفذته عام 2007، والذي لا تزال تداعياته تتفاقم على الوضع الفلسطيني الداخلي، بغض النظر عن ادعاءات كلٍ من حركتي حماس وفتح حول خلفياته ودوافعه. ومنذ ذلك التاريخ، بات لدينا كيانان فلسطينيان منفصلان، واحد في قطاع غزة تحكمه حركة حماس، ويستمر بفضل سلاحه المقاوم، وآخر في بعض مناطق الضفة الغربية، تديره حركة فتح، ويستمر بفضل التنسيق الأمني مع المستعمر.
وما لم ينتبه إليه إلا قلة أنه في مجال المقاومة المسلحة، أو الصدام العسكري ضد العدوان 
"بدون علاقة استراتيجية مع الشعوب العربية، وأحرار العالم، ستظل المواجهات مع العدو سيزيفية"
الإسرائيلي، كانت حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وبصورة أقل الفصائل العلمانية، ولا تزال، حركة المقاومة الوحيدة المشتبكة مع المعتدي الإسرائيلي على مدار عمر الانتفاضات الشعبية العربية. بل يصح القول إن الشعب الفلسطيني، بحراكه الشعبي، وانتفاضاته المتفرّقة، ونشاطه الثقافي، ظلّ في هذه الفترة، ولا يزال، القوة العربية الوحيدة المشتبكة مع المستعمر الصهيوني، فيما حركة المقاومة اللبنانية متورّطة في الحرب السورية الأهلية، وملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع إسرائيل من خلال الأمم المتحدة، على خلاف ما كان يتوقع منها ملايين العرب المفتونين بحركة المقاومة اللبنانية، أي أن تقف إلى جانب الشعب السوري، أو على الأقل أن تقف على الحياد. وحتى في مجال التميّز في تجربة المقاومة ومزاولتها، تزيد فرادة صمود المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عن فرادة صمود المقاومة اللبنانية، لسببين أساسيين: لأن قطاع غزة، منطقة صغيرة جداً، محاصرة براً وبحراً وجواً. وبالتالي، تفوق متطلبات المعركة والمواجهة ومخاطرهما أضعاف ما تتطلبه في منطقة واسعة، وحدودها مفتوحة. في حين أن لبنان بلدٌ أوسع بكثير، وله منافذ عدة تُسهل عليه التزود بالسلاح. وأن حركة حماس لم تتورّط في دماء السوريين، وفضّلت الخروج من سورية، بعد أن فشلت مساعيها في الوساطة مع النظام الذي أصر على الحل الأمني. وليس استمرار تربص العدو الاسرائيلي بحزب الله، وخشيته من تعاظم قوته في لبنان، سببا كافياً ولا مقنعاً، عملياً وأخلاقياً، التغاضي عن تورّط الحزب في سورية، وعن ضرورة مراجعة هذا الدور، وإعادة بناء معادلة تحرّرية ونهضوية، مدنية، وعصرية.
.. وقبل الانكسار العربي، الذي اعتقدنا، في أوائل التسعينيات، أنه وصل إلى القاع، لم تكن مسألة الحكم، والدولة المدنية، والحريات الفردية، وكل مقومات دولة المواطنة الديمقراطية، قد تعززت في أوساط الأجيال الشابة الجديدة التي استيقظت على واقع دول عربية استكملت عملية التكيف مع الوجود الصهيوني الاستعماري، وفي الوقت نفسه، على واقع أنظمة أكثر استبدادا وفساداً، وأكثر تنكراً لحرية المواطن. ما معناه أن ادعاء الأنظمة أنها منصرفة عن مهمة تحقيق الديمقراطية والتنمية لصالح المعركة مع إسرائيل انكشف زيفه، وحجم التخريب المجتمعي الذي أحدثته الطغم الحاكمة. مثلاً، أقام النظامان، المصري والأردني، معاهدتي صلح مع إسرائيل، وعلاقات تطبيع كاملة، وأقامت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقيات مع إسرائيل، وساروا في الركب الأميركي، من دون حصول أي تقدم، لا على مستوى الحقوق الفلسطينية، ولا على مستوى التنمية والنهوض الاقتصادي، والديمقراطية. أما النظام السوري فقد خاض مفاوضات عبر الولايات المتحدة الأميركية، لاسترجاع الجولان، شرطا لإنهاء "النزاع"، غير أن هذه المحاولات فشلت، بسبب إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بالشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا. أما عن الأنظمة الخليجية، وخصوصا السعودية، فحدّث ولا حرج، فقد انتقل التطبيع مع إسرائيل من السر إلى العلن.
في ظل هذه الهزيمة الشاملة، المسؤولة عنها الأنظمة القومية العلمانية، دخلت إلى 
"مأزق هذه الحركات المقاومة في أيدلوجيتها الدينية، وهذه نقطة قوة وضعف في آن"
المقاومة الإسلامية المشهد، في تحدٍّ لذهنية الهزيمة، ومحاولةٍ لتقديم نموج مقاومة جديد؛ في لبنان وفلسطين. ولكن مأزق هذه الحركات في أيدلوجيتها الدينية، وهذه نقطة قوة وضعف في آن، حيث هي عامل تعبئة وتحشيد لجمهورها من جهة، وهي عامل انعزال، وتفرقة، على مستوى الشعب، من جهة ثانية. طوّرت طريقة تنظيم المقاومة، وأدخلت تقنياتٍ متقدمة، وفهماً أعمق للعدو، وكيفية التعامل معه، ولكنها أخفقت، وإن أيدت بصورة انتقائية بعض الثورات، في فهم (واستيعاب) البعد الأساس في الثورات العربية، والدوافع الاجتماعية والاقتصادية، والإنسانية. هي إما نظرت إليها أنها مؤامرة، أو فرصة للحركات ألإسلامية لاستلام الحكم، أو فقط لإطاحة أنظمة عاجزة عن هزيمة إسرائيل. لم يكن، ولا هو الآن، موضوع حرية الفرد، وقضية الديمقراطية، والدولة المدنية، والشراكة وفق عقدٍ ينظم الدولة، ويضبط علاقتها بالمجتمع والمواطن، من القضايا التي تشغل أولوية لهذه الحركات، أو تشكل جزءًا من رؤيتها أو ثقافتها وبرامج التنشئة والتثقيف السياسي لكوادرها.
وبتفحص تجربتي حكم حركة حماس قطاع غزة ومشاركة حزب الله في الحكومة اللبنانية، تتكشّف إخفاقات بنيوية، وقصورات مفاهيمية، خطيرة، في التعامل مع الداخل، تساهم في تآكل التجربة، ولا يحمي هذه الحركات من غضب المواطن سوى سلاحها، أو وجودها في دائرة الاستهداف الدائم من إسرائيل، فلبنان دولة تعصف بها مظاهر الفساد والفشل السياسي والاقتصادي. وفي قطاع غزة المحاصر من إسرائيل والنظام المصري، تتخبط "حماس" في عملية تسيير حكمها. ولم تقدّم، على الرغم من جسارتها، وجسارة مقاوميها في مواجهة العدوان الصهيوني، نموذجا جذّابا للحكم، ولا مشروعاً وطنياً جامعاً لعموم الشعب الفلسطيني، بديلاً عن مشروع سلطة رام الله الاستسلامي والتجزيئي.
وبتتبع تصريحات قادة في حركة حماس، بخصوص التوجه إلى إعادة العلاقات مع النظام 
"يحتاج الإنسان العربي إلى انتصار حقيقي، وهذا يحصل فقط بربط التحرر الخارجي بالتحرّر الداخلي"
السوري، ليس خطوة تتطلبها ضرورات الواقعية السياسية، كما هو حاصل مع النظام المصري، المنقلب على الثورة، ومحطّم آمال الناس، بل هي موقف يكيل المديح له، مضفيا شرعية على جرائمه ضد الشعب السوري، وضد مطالب هذا الشعب الشرعية في الحرية والعيش الكريم، ويعكس التخبط وفقدان التوازن بين الموقف الأخلاقي وضرورة الواقعية السياسية.
ليس ممكناً، ولا جائزاً أخلاقياً، لحركات المقاومة، خصوصا بعد كل ما مرّ على العالم العربي في العقد الأخير، مواصلة تعضيد القوة العسكرية، وفي الوقت نفسه، تجاهل واقع المواطن على المستوى المحلي، وعلى مستوى دول الوطن العربي. بدون ربط ذلك بمقومات نهوض المجتمعات والدول العربية، وفي مقدمتها التحرّر من الاستبداد، وجعل الاهتمام بالديمقراطية والتنمية والاستقلال جزءًا عضوياً من برامجها وسلوكها، لا إمكانية للانتصار على المستعمر. تستطيع هذه الحركات، كما أثبتت، الصمود في وجه العدوان الصهيوني الخارجي، والوصول إلى عمقه، ولكن بدون بناء علاقة استراتيجية مع الشعوب العربية، ومن ثم مع أحرار العالم، ستظل المواجهات مع العدو أشبه بعمليةٍ سيزيفيةٍ، أي نبذل جهدآ كبيراً وتضحية باهظة، ثم نعود لنرمم ما خربه العدو. يحتاج الإنسان العربي إلى انتصار حقيقي، وهذا يحصل فقط بربط التحرر الخارجي بالتحرّر الداخلي. وهذ ما تقوم به طلائع التغيير والثورة، والتي أوقدتها من جديد، ثورتا السودان والجزائر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى علاء الدين.. نسوية واستشراق