الإنسانية المفقودة

الإنسانية المفقودة
الإنسانية المفقودة

نجد صعوبة في الغوص بأعماق الإنسان العربي المعاصر للبحث عن إنسانيته المفقودة، أو لنقل المشوهة؛ التي شوّهتها الأحداث الجارية. هذه الإنسانية التي يفترض أن ترتقي على شهوة المصالح والانتماءات الضيقة التي تكبل هذا الإنسان، وهو يشاهد ما يجري على الأرض من مناطق الصراع، سواء في اليمن أو سورية أو العراق، وقد أصبح الإعلام يبثّ صور القتلى على الهواء مباشرة بعد كل مجزرة، لكن المفارقة أن تسمع الشماتة من هذا الطرف أو ذاك في أولئك القتلى، وإن كانوا من المدنيين!

هل ألِف المواطن العربي صور الجثث طوال السنوات الخمس العجاف المنصرمة، حتى استمرأ تلك الصور، فلم تعد تؤثر فيه ولا تحرك فيه مشاعر إنسانية مفترضة؟ بدلاً من ذلك، حركت مشاعر حقد دفين تمثل في شماتة ظاهرة، واستبشار لنصرة فريقه ضد الخصم، وطفحت هذه المشاعر على السطح في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر وليكند إن. هل كانت المجتمعات العربية جاثمة على هذا المخزون من الحقد الدفين، الذي انفجر في سنوات الحرب؟ وهل أخرجت هذه الأحداث المارد من قمقمه فراح يعربد في كل اتجاه؟ الكل يعرف القصة كاملة، ومن يظن أن القصة تبدأ من أحداث عام 2011، فراح يحملها وزر كل ما يجري، سيكون كمنْ يحكم على رواية من مجرد قراءة الفصل الأخير منها.
بدأت القصة منذ عقود طويلة، منذ سنوات الأنظمة العربية التي جثمت على كرسيّ الحكم طوال تلك العقود، وراكمت كل المشكلات الحياتية، حتى تمخض عن تلك المشكلات انفجار 2011. ولا أحد يستطيع أن يتجاهل هذا الأمر، مهما غالط نفسه، فإنه يدرك أن الركود السياسي الذي حل بالعالم العربي هو الذي أفرز ذاك الانفجار، أما الذين لا يعترفون بذلك فهم أحرار أن يؤمنوا بما شاءوا. ولكن يجب ألا نتناسى أن الحاضر ما هو إلا وليد الماضي، ولا دخان بلا نار، والأفضل للطرفين المختلفين حول أحداث 2011 أن يتجاوزا الأمر، بدلاً من المهاترات حولها، لأن هذا التجاوز هو الذي يجعل الكل يفكر في ما يجري اليوم، وكيفية الخلاص من هذا النفق الذي دخلناه، حيث لا بصيص ضوء.
استعادة إنسانيتنا المفقودة، واستنكار الجرائم، أياً كان مرتكبوها، هما بداية الطريق لحل الكارثة التي حلّت بنا جميعاً، ومعرفة التاريخ الإنساني الذي يسجل أن الحرب لا تستمر إلى الأبد، وأن أطراف الصراع بإطالتهم أتون هذه الحرب إنما يراكمون ضرائب المستقبل التي ستدفعها الشعوب أو منْ تبقى منها. ضرائب من كل نوع؛ لعل أسوأها هي الأحقاد المتراكمة يوماً بعد يوم، ناهيك عن التخلف، فوق التخلف الحاصل أصلاً، عن ركب العالم المعاصر. واستمرار هذه الحروب ينذر بتوسعها لتشمل كل الأرض العربية، خصوصاً في ظل السياسيين المغامرين من كل الأطراف.
خاتمة القصة التي ستصير لائقة بنا، أن نصبح من مندثرات التاريخ، وصنو الديناصورات في متاحف التاريخ الطبيعي. أما هذا الوطن العربي الكسير، فإنه سيصبح كما تصوّره الشاعر أحمد مطر، عندما قال:
وطنٌ لم يبقِ من آثارهِ غيرُ جدارٍ خَرِبِ،
لم تزلْ لاصقةً فيه بقايا من ِ الشعاراتِ وروثِ الخطبِ،
عاش حزب الـ...، يسقط الـخا...، عا ئد و...، والموت للمغتصبِ،
وعلى الهامشِ سطرٌ،
أثرٌ ليسَ له اسمٌ،
إنما كان اسمهُ يوماً بلادَ العربِ.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "إش لي بدش".. مسرحية "الفرح" السوري
التالى علاء الدين.. نسوية واستشراق