"غرق الحضارات"

"غرق الحضارات"
"غرق الحضارات"

لقد اختار الكاتبُ اللبنانيّ الفرنكفونيّ، أمين معلوف (1949)، صاحبُ كرسي كلود ليفي شتراوس في الأكاديمية الفرنسية منذ عام 2011، ومؤلّف "ليون الأفريقي"، وأعمال عدة أخرى تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، وجعلته يحوز أرفع وأهم جائزة أدبية فرنسية (غونكور 1993 عن روايته صخرة طانيوس")، روايةَ "دكتور جيكل ومستر هايد" (1886) للكاتب روبرت لويس ستيفنسون، استعارةً رمزيّة تصف أحوالَ العالم العربيّ المنتقل ما بين وجهي هذه الشخصية المتناقضة. ففي كتابه الصادر أخيرا عن دار غراسيه الفرنسية "غرق الحضارات"، يرى معلوف أن العالم العربيّ يُظهر مرةً وجهَ الدكتور جيكل الطيّب، وهي حالُه في مراحل ذهبية ماضية عرفها والعراق ومصر وتونس، مع بروز أمل حقيقيّ في المستقبل، مرتكزٍ إلى عقد اجتماعي متوازن بين مختلف الطبقات الاجتماعية، وحراكٍ ثقافي وفكري وفنّي، إلى جانب نسبةٍ مهمّة من حرية التعبير.. ومرةً أخرى، يُظهر الوجهَ الثاني، الشرّير، وجه مستر هايد، إذ، للأسف، سرعان ما تراجعت تلك المرحلة المنيرة الواعدة، مفسحةً المجال أمام انتشار الحروب الأهلية والتطرّف الدينيّ، لا في العالم العربيّ فحسب، بل في العالم كلّه. 

ومَن كان مُتابعًا عن كثب أعمال أمين معلوف ونتاجه، يعرف أن التاريخ موضوعته الأهمّ، لا بل ركيزته الأساسية في بناء أعماله، الروائية والبحثية على السواء، كما في "الحروب الصليبية كما رآها العرب" التي تناولت الصراع بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، أو في "الهويات القاتلة" حيث حكى كيف تؤدّي الهويات الفردية، كما الجماعية، إلى نشوب حروبٍ أهليةٍ عنيفة، كالتي عرفها لبنان عامي 1958 و1975، أو في روايته "صخرة طانيوس" التي تروي الصراع بين الإمبراطورية العثمانية ومصر وإنكلترا، على خلفية اغتيال البطريرك الماروني، بغية إحكام نفوذها على الجبل اللبناني.
هذا ويقيّم معلوف تجربة الرئيس عبد الناصر، وتأثير سياساته على مصر والعالم العربي، فيراه قائداً شعبياً ومحبوباً، في حين يحمّل نظامَه الجزء الأكبر من المسؤولية. لقد ارتكب الزعيم المصري أخطاء كبرى، منها استبعاد خصومه والقضاء على معارضيه، وتدمير الاقتصاد، من خلال عمليات تأميم وإصدار تشريعات أثّرت سلباً عليه، وأدّت إلى هجرة عدد من عائلات الطبقة الوسطى. إلا أن الانعطافة المفصلية في الشرق الأوسط، كما يراها معلوف، هي ولا ريب هزيمةُ 1967 أمام إسرائيل التي لم تستفق منها مصر والعالم العربي، وغيابُ من يملأ الفراغ الذي خلّفه عبد الناصر، ما أدّى لاحقا إلى انهيار القومية العربية والشيوعية واليسارية، وصعود الأحزاب الإسلامية السياسية.
على مستوى العالم، مع حلول السبعينيات، حدثت ثورتان كبيرتان، بدّلتا وجه العالم: الإيرانية التي أفضت إلى ربط الهويات القومية بالدينية، في الدول العربية وأفغانستان وباكستان والهند وغيرها؛ والاقتصادية المحافظة التي قادتها مارغريت تاتشر، فغيّرت معظم المعايير الاقتصادية والسياسية، ونقلت مواقع القرار والنفوذ إلى المقتدرين والأثرياء. والحال أن الظاهرة هذه انتقلت من بريطانيا إلى أميركا في عهد رونالد ريغان، ثم إلى دول أخرى كانت سابقاً شيوعية، كالصين والهند، ودول في آسيا وأميركا اللاتينية وغيرها. في هذا الشأن، يقول معلوف: "من الآن، سيُعتبر تقليص تدخّل الحكومة في الحياة الاقتصادية، والحدّ من النفقات الاجتماعية، ومنح المتعهّدين صلاحيات أكبر، مع تقليص تأثير النقابات، المعايير الجيّدة لإدارة صحيحة للشؤون العامة".
أجل، بالنسبة لأمين معلوف، نحن نحيا اليوم في زمن "الردّة الكبرى"، وليس في زمن "صراع الحضارات" كما يدّعي هنتنغتون، فالغرب أيضا يعرف ردّة حضارية مع صعود قوى اليمين المتطرّف واستفحال النزعات العنصرية، والأخطار السياسية، كما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تتهدّد البشرية، فيما يتبدّى أن بإمكان الحضارات، مثل السفن، أن تغرق فجأة، كما حصل مع سفينة تايتانيك الشهيرة، حين هوت بركّابها إلى قعر البحار.
على الرغم من نبرة التشاؤم التي تسود كتابه، يرى معلوف أن حلّ النزاعات الخطيرة، على اختلافها، لا يجب أن يتمّ بفصل المجموعات المتنازعة وعزلها عن بعضها، لكي لا تتحوّل كياناتٍ مغلقة، لأن هذا سيؤدي إلى مزيد من العنف والمواجهات. "نخطئ حين نضع آليا وبانتظام، المصالحَ مقابل المبادئ، فهي أحيانا تلتقي، فالشهامةُ تكون في بعض الأحيان مهارة، والخِسّةُ رعونة. عالمنا المتهكّم يرفض الاعتراف بذلك، لكنّ التاريخ مليء بأمثلة مقنعة. ففي أغلب الأوقات، حين يخون بلدٌ قيمَه، يخونُ أيضًا مصالحَه".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مَنسيون في مقاهي المنفى
التالى يوسف إدريس وزوجته المكسيكية