لاءات الخرطوم بطبعة غزّية منقحة

لاءات الخرطوم بطبعة غزّية منقحة
لاءات الخرطوم بطبعة غزّية منقحة

بعد مرور نحو نصف قرنٍ زاخر بالانهيارات والتحولات والانكسارات، دارت فيه الكرة الأرضية حول نفسها آلاف المرّات، وتغيرت في غضونه المعطيات والتحالفات، وتبدّلت خلاله الحقائق والمفاهيم والتوازنات، نبشت "الهيئة الوطنية لمسيرات العودة وكسر الحصار" في غزة القبر الدارس للاءات مؤتمر القمة المنعقد في الخرطوم عام 1967، كي تستخرج رميم عظامه الشهيرة "لا تفاوض لا صلح لا اعتراف"، وتضعها عنواناً لمسيرتها أخيرا، المتكرّرة كل يوم جمعة منذ 66 أسبوعاً.

نظراً لما عُلّق على هذه المسيرات من رهاناتٍ كبيرة، وما تحظى به من مهابة، وفي ظل المزايدات الداخلية المعهودة، مرّت هذه التسمية غير الموفقة، إن لم نقل المريبة، لفعالية يوم الجمعة الماضي، من دون أن يعترض عليها أحد من أركان "الهيئة"، أو تثير نقاشاً عاماً، سوى تدوين تعليقٍ عاتب من هنا، أو تسجيل موقفٍ مستهجنٍ من هناك، سطّرته قلة قليلة من السياسيين والمثقفين الوطنيين، ممن أسفوا لمثل هذا الاستسهال في رفع الشعارات العدمية، وصدمهم كل هذا الإفراط في تحميل الغزّيين ما لا طاقة لهم به.
في واقع الأمر، لم تلفت هذه التسمية وسائل الإعلام، ولم تؤخر أو تقدّم في مجرى المسيرة الـ 66 التي انتهت كسابقاتها المتعاقبة منذ مظاهرات "بدنا نعيش" في مارس/ آذار الماضي، سواء لجهة أعداد المشاركين المتضائلين جمعةً بعد أخرى، أو لجهة تهافت المطالب التي بدأت بأهداف العودة الكبرى وكسر الحصار، لتقتصر فيما بعد على شعاراتٍ مطلبيةٍ اجتماعية محقة، مثل تحسين إمدادات الماء والكهرباء، وهي مطالب، على أهميتها وعدالتها، أبعد ما تكون عن الروح الكفاحية الملهمة التي أوقدت شعلة هذه الملحمة الوطنية.
يبدو أن القائمين على هذه المسيرات التي تجلت أول الأمر ظاهرة وطنية مجيدة، وعوّل عليها الفلسطينيون في الداخل والخارج، باعتبارها رافعةً وطنيةً جديدة، قد فاتهم أن لاءات الخرطوم كانت بنت زمانها الغابر، وأنها أتت تعبيرا عن حالة الصدمة المروّعة التي استبدت بالأمة بعد الهزيمة المنكرة، فوق أنها جاءت مترافقة مع شعاراتٍ مفعمةٍ بالتحدّي، مثل إزالة آثار العدوان، وما أخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فأين نحن اليوم من ذلك الزمن الذي يُعد جميلاً جداً، قياساً بوقائع هذه المرحلة؟
كما يبدو أن الذين اختطفوا هذه المسيرات، ووظّفوها لأغراض عابرة، وسخّروها في خدمة مصالح فئوية، قد فاتهم أيضاً أن هذه الشعارات تنتمي إلى زمن مضى إلى غير رجعة، والأهم أن قاعدة الهرم قد صارت مقلوبة على رأسها، حيث أصبحت إسرائيل، وليس العرب، هي التي ترفض التفاوض، ولا تقبل الاعتراف بأبسط الحقوق الفلسطينية المشروعة، وأنها هي التي تتهرب من استحقاق السلام، الأمر الذي يبرّر طرح التساؤل عن أسباب كل هذا الهروب إلى الأمام، وعن استمرار حالة الإنكار والعبث، خصوصاً لدى من يفاوضون على تحسين أحوال السجناء القابعين في سجن غزة الواسع.
لقد دعت هذه الزاوية، أكثر من مرة، إلى إجراء مراجعة معمّقة لأداء هذه المسيرات التي بات الاحتلال يتحكّم بها عن بعد، يضبط إيقاعها بكثير من الترهيب، ويخفّض وتائرها بأقل القليل من فتات الترغيب، إلا أن الذين يطلقون الشعارات على عواهنها، غير مكترثين بالمصير الفلسطيني، واصلوا تصحير الأرضية الفكرية في القطاع المحاصر، إلى الحد الذي أنتج خطاباً مدجّجاً بالتّرهات والمجانية السياسية المفرطة، كخطاب وزير داخلية حكومة حركة حماس، فتحي حمّاد، الذي دعا كل فلسطيني أينما وُجد إلى ذبح أي إسرائيلي في العالم، وهو خطابٌ يلطّخ صورة النضال الوطني، ويبرّر للذئاب الإسرائيلية ارتكاب مزيد من المجازر الوحشية.
كان من الممكن تفهم استعادة لاءات الخرطوم من سُباتها الطويل، وتقبلها على مضض، لو أن المسيرات لا تزال في أوجها، وكانت الرافعتان، الفلسطينية والعربية، على شيءٍ من العافية، إلا أنه بعد أن ذوت هذه المسيرات وخبت نيرانها، وفقدت زخمها وقوة دفعها، فيما الأمة كسيحة، تصبح هذه اللاءات مجرّد لغو لا طائل من ورائه، وكان الله في عون غزّة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الدحيح والهيبة الأكاديمية
التالى علاء الدين.. نسوية واستشراق