أخبار عاجلة
لبنان على خط المواجهة الأميركية الإيرانية -
الإنسانية المفقودة -
الجريمة الإعلامية المنظمة -
الإسلام حين يتحوّل جمهورية رعب! -
أفريقيا تنحاز للشعوب مجدّداً -
"غرق الحضارات" -
أسئلة السيد المسيح في قصر باكنغهام -
موقف أخلاقي بشأن المركز العربي -
حاشية من أكرم زعيتر -
لاءات الخرطوم بطبعة غزّية منقحة -

كلنا مبدعون

كلنا مبدعون
كلنا مبدعون

إذا اعتبرنا الإبداع مَلَكة لها علاقة بالإتقان والتحسين والبراعة، فإن أي عمل له صلة بخبرة صاحبه يعتبر إبداعاً، والإبداع بهاته الصفة أمر يمتلك ناصيته كثير منا دون أن يدري ذلك، فهناك المبدع بكلامه الذي تحلو به المجالس، ويتصالح به الناس، وينتصح به المغفلون، ويستخدمه العاجزون لتحقيق الكثير من مآربهم، وهذا نجار لا يكتفي بمحاكاة ما وجد عليه السابقين، وإنما يزيد وينقص ويعدل ويهندس بُغية الحصول على إنتاج يحمل بصمته، فتصير الأدوات والأثاث التي ينتجها تحمل بصمته الخاصة. 

في معرض للفنون التشكيلية، جمعتني الأقدار بنجار جاء مع الزوار، وحين جال بعينيه في قاعة العرض أعجبته اللوحات إعجاباً ظهر على ملامحه وهو يتأمل بعض اللوحات. وقبل أن يغادر القاعة توجه إلى دفتر الانطباعات فكتب فيه ما يلي: "عليكم أيها المبدعون بشكر الله وحمده، فقد حباكم ملكات ومهارات عظيمة، فشكلتم هذه الملامح الإبداعية الجميلة التي عملتم عبرها لإيصال كثير من الرسائل الخاصة بالاحترام والتعايش والإتصاف بالعدل والإنصاف، ولقد تمنيت وما زلت أتمنى وأطمح في أن أصير مبدعاً وفناناً تشكيلياً انضم إليكم... وهذا ما يؤرقني أحياناً ولا يتركني أنعم بالنوم...".
خرج بعيداً عن القاعة أمتاراً قبل أن أقرأ انطباعه، فناديته كي يرجع لأن لي معه حديثاً خاصاً. عاد النجار، وطلبت منه الجلوس، وأعدْت قراءة انطباعه مظهراً إعجابي به. ثم قلت له: جميل ما كتبته، ولكن نظرتك إلى الإبداع قاصرة جداً. قطب جبينه وهمَّ بسؤالي عما أقصد، لكني سبقته بردي قائلاً: اِعْلمْ أنك فنان مثل هؤلاء الذين تمدحهم، وإذا كان لكل مجال بطل، فلكل مجال مبدعه، وأنت نجار أعرف عنك ما لم تعرفه عن شخصك، فما تقوم بصناعته جعلك ذائع الصيت وأنت لا تعلم، أبوابك ونوافذك وموائدك لها طابها الخاص، وهنا ستعرف لماذا اشتد الإقبال على منتوجاتك الرائعة، فأنت فنان ومبدع ماهر، والمختلف بيننا كتشكيليين وبينك هو المجال فحسْبُ.
واعْلمْ أن كل إنسان في المجتمع يمكن أن نعتبره مبدعاً في مجاله، وذلك بالإتقان والتفاني بحثاً عن النوعية والتميز، ولن أبالغ إن قلت إن المرأة وهي ترتب غرفة النوم ترتيباً خاصاً مبدعة، والتلميذ المنظم لدفتره تسطيراً وتلويناً وتغليفاً مبدع، والفتاة الذواقة التي تعرف الملابس الملائمة للونها وقامتها وشعرها مبدعة، والمدرس الذي يقدم درسه تقديماً تنشيطياً ممتعاً مبدع.
الراعي الذي عَلَّم قطيعه كي ينقاد له بمجر صفير، أو كلمة واحدة مبدع، القاضي الذي يعرف كيف يطرح الأسئلة بالشكل الذي يربك الظالم فيبوح بجرمه ويقر بباطله مبدع. والتاجر الذي يعرف كيف يرسم ابتسامة الاستقبال والمودة على محياه وهو يواجه الزبائن مبدع...
كلنا مبدعون، كل في مجاله، الشرط في تحقيق ذلك الإتقان، والإتقان لا يكون سوى بالدربة، كما التشكيل والشعر والسرد وغيرها .
ظهر لي أن النجار فهم بعمق ما أرمي إليه بصدد الإبداع، فصافحني وشكرني قائلاً: اليوم أعرف أني مبدع، وقد كنت أتوق كي أصير مبدعاً حين قصَّرت الإبداع على ثلة قليلة من الناس منهم أنتم التشكيليون.
قلت له مبتسما وأنا أعانقه: أبشرْ فقد صرت مبدعاً مثلنا، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك في عالم الإبداع.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق جمهورية "كأنّ" اللبنانية
التالى غرينبلات في كنيس بحريني