هم ليسوا قدوةً لنا

هم ليسوا قدوةً لنا
هم ليسوا قدوةً لنا
لمّا كنت صغيرا، كنت مغرما بشكل مبالغ فيه بفيلم "عمر المختار"، وهو فيلم عظيم من إخراج السوري العبقري، مصطفى العقاد، وبطولة أنتوني كوين، عن المجاهد الليبي الكبير. عندما تم عرض الفيلم في التلفزيون المصري أول مرة في منتصف الثمانينيات، قمت بتسجيله، ثم شاهدته عشرات المرات وربما المئات. لا أعرف سببا لذلك، ربما كان الحنين لأي قصة بطولة عربية ضد الاستعمار. ربما الإنتاج الضخم والحرفية الشديدة في اخراج الفيلم سببا الانجذاب، ولكن مشاهد الحرب والمعارك مع الغزاة الإيطاليين كانت حماسية بشكل كبير، التفنن في استخدام الأسلحة القديمة ونصب الكمائن. كان هناك مشهد ملهم بشكل كبير، عندما يربط رجال المقاومة الليبية أرجلهم لمنع أنفسهم من التقهقر أو الهروب أو الهلع في حالة تقدّم العدو. ومن أحد أهم مشاهده التي لا أزال أذكرها، وقوع أحد الضباط الإيطاليين في الأسْر، وكان هناك من هو مع إعدامه، مثلما يعدم الإيطاليون الأسرى الليبيين.. إنهم يقتلون أسرانا، هكذا قال أحد المجاهدين، فقال القائد عمر المختار: إنهم ليسوا قدوة لنا.
لتلك العبارة تأثير كبير عليّ. في أوقاتٍ كثيرة، تكون مشاعر الغضب والكراهية هي التي تقود، عندما يكون هناك رغبة في الانتقام، فتتلاشى مبادئ كثيرة، أو يتم تحويرها وإيجاد تبريرات تبيح مخالفة لها. هل قال عمر المختار عبارته هذه، أم تمت إضافتها من أجل الحبكة الدرامية. لو كان لعبارة "إنهم ليسوا قدوةً لنا" مجال على أرض الواقع، لتجنبنا مذابح وإجراءات انتقامية كثيرة في أماكن كثيرة تحت شعارات القصاص والعدالة، ولتجنبت البشرية ظلما كثيرا تحت شعارات المعاملة بالمثل.
وقت بداية الثورات العربية، كنت أتمنى أن يكون لتلك العبارة أي وجود أو قوة، ولكن شهوة 
"لا تنتقد الإقصائيين وأنت إقصائي، ولا تلم الفاشيين وأنت أكثر فاشية، ولا تزعم محاربة الفساد إن كنت ستصير أكثر فساداً"
الانتقام تكون هي الأقوى، بالإضافة إلى أنه لا يمكن السيطرة على الجماهير، خصوصا عندما تكون غاضبة. لم تكن عبارة "هم ليسوا قدوةً لنا" حاضرة وقت إعدام القذافي في الشارع، ولا في أحداث عنفٍ كثيرة في مصر التي كانت فيها اشتباكات بين قوى الثورة في مصر وأنصار حسني مبارك في يوم موقعة الجمل المشؤوم، ولا تاليا في الأحداث المؤسفة والاشتباكات التي بين المجموعات الثورية وأنصار جماعة الإخوان المسلمين، وسقط على أثرها ضحايا ومصابون.
أحيانا، حاولت لفت نظر زملاء وأصدقاء لا يزالون في مربع تأييد ثورة يناير. أجد بعضهم ينشر أخبارا ليست دقيقة، أو مبالغا فيها، وربما غير حقيقية، طالما فيها إساءة وتشكيك، أو تحسم من رصيد السلطة الحاكمة ورموزها. يقبل بعضهم وجهة نظري، ويبرّر آخرون قيامهم بذلك بأنه رد ومعاملة بالمثل لتلك السلطة وأبواقها الإعلامية التي تكذب ليل نهار، فالإعلام الموجّه الذي تديره الأجهزة الأمنية في مصر لا همّ له إلا نشر الأكاذيب والقصص الخرافية والمفبركة، وكل ما يشكك في ثورة يناير والثورات الشعبية العربية بشكل عام. هم ليسوا قدوة لنا، هكذا أحاول توضيح وجهة نظري.
في الجانب المقابل، هناك من أجده يكيل بمكيالين في حالاتٍ كثيرة. أحيانا يدور نقاش مع أصدقاء يمكن تصنيفهم علمانيين أصوليين، أو ممن أصيبوا بالإسلاموفوبيا بدرجات متقدّمة، فأجدهم متأثرين بشائعات حكومية المصدر، على الرغم من تنافيها مع جوهر الليبرالية والعلمانية، أو أمور تتنافى مع قيم حقوق الإنسان ودولة القانون. مثل هؤلاء من خاضوا في حملة الهجوم على السوريين في مصر، أو ممن يتغاضون عما يحدث من انتهاكات لمنتمين للتيار الإسلامي، وبعضهم غض الطرف عن مذبحة ميدان رابعة العدوية، ومن ثم قتلهم في أثناء فض الاعتصام.
يتذرع بعض هؤلاء بأن الإسلاميين عندما كانوا في السلطة لم يعترفوا بحقوق الإنسان لمعارضيهم، أو اعتبروها قيما دخيلة من الغرب الكافر، أو أن بعضهم حمل السلاح واستحل دم الآخرين، أو تسبب في قتل أبرياء، ولذلك لا حقوق لهم ولا يجوز تطبيق معايير حقوق الإنسان على إرهابي، فيكون ردّي بأنه حتى لو كان ذلك صحيحا بنسبة ما، وحتى لو كان بعضهم مارس العنف، وحتى ولو تغاضوا عن انتهاكات في صفوف المعارضة المدنية، عندما كانوا في السلطة، فلا يجب المعاملة بالمثل، فإن فعل بعضهم ذلك فإنهم ليسوا قدوةّ لنا. ولذلك، يصنّف التغاضي عن انتهاكات لبعض المنتمين للتيار الإسلامي بأنه نفاق وكيْل بمكيالين، فبعضهم كان يرى التيار الإسلامي إقصائيا أو فاشيا، ثم يمارس إقصائية وفاشية أشدّ عندما تحين له الفرصة.
في هذه الأيام، هناك من هو محسوب على مربع الثورة أو المعارضة، ولكنه يفرح في حال 
"من النادر أن يكون هناك سياسي متسق مع مبادئه المعلنة أو غير المعلنة"
وقوع بعض الأذى في جنود وشرطة، أو في مؤيدين للسلطة ونظام الحكم في مصر، بحجة المعاملة بالمثل، أو لأن أنصار السلطة يتمنون إيذاء معارضيها. ولكن إذا صحت تلك الأسباب، فانهم ليسوا قدوة لنا، ولا يجوز أن نفرح بمصيبتهم، مهما كان الاختلاف في وجهات النظر.
وتجد لدى بعض من ينتسبون لما يطلق عليه التيار المدني، أو الليبرالي، تغريداتٍ تتمنى تعذيب الضابط السابق الذي تسلمته السلطات المصرية من سلطة خليفة حفتر في ليبيا، هشام العشماوي، حتى الموت. كان ضابط صاعقة أو عمليات خاصة في الجيش المصري، ثم تم تسريحه بعد اعتناقه الفكر المتطرف، ثم تواترت الأنباء عن وجوده في سيناء، وانضمامه لجماعات جهادية وتكفيرية، ثم تواترت الأنباء عن مسؤوليته عن عمليات إرهابية، قتل فيها ضباط وجنود مصريون في الصحراء الغربية. ولكن كيف يستقيم أن ينادى أحدهم بالليبرالية وحكم القانون والعدالة وحقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه، يطالب بتعذيب مشتبهٍ به حتى الموت خارج إطار القانون؟ هشام العشماوي وغيره ممن مارسوا عنفا أو إرهابا يظل توصيفهم القانوني مشتبها بهم، أو متهمين حتى يثبت عكس ذلك، أو حتى يكون هناك حكم قضائي باتّ، وللمحتجز قيد التحقيق حقوق، وللمُدان حقوق أيضا، ولكن في مصر لا يوجد للقانون اعتبار.
صحيح أن السياسة بعيدة عن المثالية، مليئة بالمواءمات والحسابات المعقدة ونسبية القيم، المصلحة السياسية والحزبية تحكم التصريحات والتصرفات. من النادر أن يكون هناك سياسي متسق مع مبادئه المعلنة أو غير المعلنة، وهذا نراه كل يوم، ولكن على من يدّعي أن فكره هو الأفضل أن يحاول الموازنة بين المبدأ والمصلحة قدر الإمكان.
ليست الفكرة مثالية مفرطة. ولكن إن كنت تعترض على شخصٍ، أو فصيلٍ، بسبب تصرّف معين، أو منهج ما، فلا تفعل مثله، عندما تحين لك الفرصة، ولا تكرّر ما تلوم الآخرين عليه إن كنت متسقا مع أفكارك المعلنة. لا تنتقد الإقصائيين وأنت إقصائي، ولا تلم الفاشيين وأنت أكثر فاشية، ولا تزعم محاربة الفساد إن كنت ستصير أكثر فسادا عندما تحين الفرصة، هم ليسوا قدوة لنا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل