بمناسبة البرنامج النووي.. السعودي

بمناسبة البرنامج النووي.. السعودي
بمناسبة البرنامج النووي.. السعودي
أصدرت لجنة الرقابة والإصلاح داخل مجلس النواب الأميركي أخيرا تقريرا مثيرا للجدل حول برنامج الطاقة النووية السعودي، استندت فيه إلى تسريباتٍ تتعلق بعزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، السماح لشركاتٍ أميركية بتزويد المملكة بتكنولوجيا نووية متطوّرة، لدعم هذا البرنامج. ويثير هذا الكشف سؤالا طال تداوله في أروقة البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية): هل السلاح النووي خيار استراتيجي أم ضرورة وجودية؟
كان السؤال عنوان الندوة السنوية الخامسة لاستراتيجية الردع في القيادة الأميركية، والتي تضمنت، في يومين متواصلين، حلقات نقاش عن آليات تطوير مفاهيم جديدة لاستراتيجية الردع الأميركية. وحضر الندوة مسؤولون وخبراء عسكريون واستراتيجيون في مقر القيادة الأميركية، إضافة إلى أكاديميين ومحللين سياسيين من الولايات المتحدة ودول أخرى. وتقوم هذه الاستراتيجية على نظريتين متقابلتين في عملية تحقيق ما يسمّى الاستقرار الاستراتيجي: التدمير المتبادل المؤكد (MAD) والاستقرار المتبادل المؤكد (MAS).
تعود استراتيجية "ماد" إلى حقبة الحرب الباردة، وتقوم على فكرة أنّ الاستقرار العالمي لن يتحقق إلا في حال تمكّنت كلّ من القوى الدولية من تعزيز قدرتها التدميرية بصورةٍ تشكل تهديدا حقيقيا على القوى الأخرى، أو ما يسمّى في السياسة الدولية توازن الرعب. على وجه التحديد، توظف هذه الاستراتيجية الخطر التدميري الذي تمثله الأسلحة النووية، على نحو يساهم في تقليص خطر الانجرار وراء خيار الحرب، بوصفه كارثيا وغير عقلاني. بعبارة أخرى، في حين يعترف هذا النموذج بحتمية، بل ضرورة، نشوء الحروب الكبرى، فهو يسعى إلى تحقيق 
"التهديد المتبادل جوهري وأساسي في عملية الاستقرار الاستراتيجي"
السلم الدولي، من خلال توظيف هذه الحتمية، وربطها بسيناريوهات تدميرية كارثية. في النهاية، تضطر الدول الكبرى، ذات المصالح الجيوسياسية، إلى العمل على تفادي احتمالات المواجهة بينها أو تقليصها إلى الحدّ الأدنى، وبالتالي ضمان درجة كافية من الاستقرار الدولي. وفي المقابل، تقوم استراتيجية "ماس"، والتي وردت أول مرة في تقرير اللجنة الاستشارية للأمن القومي التابعة لوزارة الخارجية الأميركية (ISAB) الصادر عام 2012، على نموذج جديد من العلاقات الدولية، لا يمثل السلاح النووي فيه محورا ضروريا لضمان الأمن والاستقرار الدوليين. يعتمد هذا النموذج على تراجع سيناريو الحروب، التقليدية والنووية، لصالح علاقات دولية خالية من المشكلات الأمنية الجوهرية، حيث يتوقع أن تتفوّق مكاسب التعاون السلمي على مكاسب التهديد النووي، أو على أقلّ تقدير، أن تساهم في تشكيل نوعٍ من التوازن المضاد لمكاسب التهديد النووي. بعبارة أخرى، يطمح هذا النموذج إلى تجاوز استراتيجية التدمير المتبادل لصالح علاقاتٍ دولية قائمة على مبدأ التعاون الاقتصادي والديمقراطية والسلم العالمي والازدهار المشترك.
ويبقى السؤال، ما هي آفاق التحول من استقرار دولي يقوم على التهديد المتبادل نحو استقرار يقوم على المصالح المشتركة؟ بعبارة أخرى، هل يمكن تحرير العلاقات الدولية من شبح الحروب والنزاعات الجيوسياسية؟ لعله يكفي النظر إلى التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، أو الأزمة الكورية الشمالية، أو الأزمة الأوكرانية، أو الصراع في بحر الصين الجنوبي، أو عودة الحرب الباردة من بوابتي الشرق الأوسط وفنزويلا، أو الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، كي ندرك مدى استحالة هذا السيناريو في المستقبل القريب. كما يعلمنا المثال 
"المثالية، في عالم غير مثالي، لا تكفي لصنع السياسات الدولية"
الأوروبي، سيما في خضم الذكرى الخامسة والسبعين لإنزال النورماندي، أن لا ننجرف وراء الوهم الكامن في نموذج الاستقرار المتبادل المؤكد، أي مقولة إنّ عالما يخلو من استراتيجية الحرب والتهديد المتبادل هو واقعي وقابل للتحقق. هذا العالم يكاد لا يتجاوز حدود المثالية واليوتوبيا، غير أنّ المثالية، في عالم غير مثالي، لا تكفي لصنع السياسات الدولية.
الجواب إذن بالنفي: التهديد المتبادل جوهري وأساسي في عملية الاستقرار الاستراتيجي وحفظ السلم الدولي، ولا سيما التهديد القائم على القدرة التدميرية. أو بعبارة أكثر مفارقة، لن يتمّ التخلص من شبح السلاح النووي إلا بمزيد من التسلح النووي. (هل تفسر هذه المفارقة قرار إدارة ترمب دعم البرنامج النووي السعودي؟). ولعلّنا لا نحتاج إلى كثير من الخيال السياسي، كي نرى أين تقف إدارة ترامب من هذا الجدل بشأن خيارات الردع النووي الأميركي. أو بتعبير إلبردج كولبي، الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد: "علينا نحن الأميركيين التمسك بالخيار الأكثر جدوى في عملية الاستقرار الاستراتيجي، أعني التدمير المتبادل المؤكد. ساهم هذا الخيار، على الرغم من تواضع طموحاته، في التقدّم الهائل الذي تشهده الولايات المتحدة منذ عقود".
بطبيعة الحال، لا يتأسّس الاستقرار الاستراتيجي على توظيف دينامية التهديد أو الرعب المتبادل بصورة مطلقة. على العكس تماما: يكمن جزء كبير من جاذبية المفهوم بالذات في قدرته على تقليص البعد التهديدي في العلاقات الدولية، من خلال تعزيز سيناريو كارثية الحروب (ومن هنا أهمية السلاح النووي)، وفتح المجال أمام مزيدٍ من التعاون الدولي سبيلا إلى تحقيق السلم العالمي المنشود.
حتى ذلك الحين، نتمنّى أن لا ينقلب السحر على الساحر، وينفجر السلاح النووي في وجه أصحابه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ماذا وراء القمم؟
التالى "القضاء" ليس قدراً!