كوميديا القمم العربية

كوميديا القمم العربية
كوميديا القمم العربية
لا يحتاج الأمر إلى بحثٍ كثير، لإثبات أن جامعة الدول العربية، ومنذ تشكلها هيئة رسمية في مارس/ آذار 1945، هي إطار يجمع الأنظمة الرسمية العربية، ولا يعبر عن تطلعات الشعوب إلا في ما ندر، ولأن الأنظمة العربية، في معظمها، تفتقر إلى الشرعية الشعبية، بقدر ما هي أنظمة سلطوية، تعبر عن أمر واقع، فمن الطبيعي أن تكون مخرجات القمم التي تجمعها تجسيدا لتوجهات هذه الأنظمة، وتقوم على توافقات رسمية وتحالفات بين أنظمة متشابهة.
ظلت الأنظمة العربية عقودا تتنازع النفوذ على هذه المنظمة الهزيلة، وتستغلها كيانا فارغا من المحتوى، لتبرير سياساتها، خصوصا إزاء القضية الفلسطينية أولا، ثم تحولت إلى أداة صراع بين هذه الأنظمة المختلفة، نتيجة تعارض تحالفاتها الخارجية أحيانا (الصراع بين الأنظمة الثورية والأنظمة المحافظة زمن الثنائية القطبية)، ولتمرير أجنداتٍ تدخل في إطار المناكفات السياسية أكثر مما تعبر عن الرغبة في إيجاد سبلٍ للتعاون المشترك، وصولا إلى الهدف العام الذي تحدث عنه ميثاق الجامعة، خصوصا في ملحقه الأول، والمتعلق بالسعي إلى تحرير فلسطين المحتلة.
تدريجيا، لم تعد القضية الفلسطينية مشغلا رئيسيا للجامعة، بل أصبحت عبئا على الأنظمة التقليدية التي أصبحت تكتفي بتضمين بند تأييد للفلسطينيين هو أشبه بمحاولة رفع الملام عن الطغاة والحكام. أما القضايا الأساسية للجامعة فتتعلق غالبا بتصفية حساباتٍ بينيةٍ تتعلق بالأنظمة العربية، عبر سياسات المحاور البائسة التي تشكلت داخل جامعة الدول العربية، وأصبحت هي الأساس الفعلي لقراراتها وعلاقاتها الخارجية.
انعقدت في 16 يناير/ كانون الثاني 2009 قمة الدوحة الطارئة لبحث تطورات العدوان 
"لم تعد القضية الفلسطينية مشغلا رئيسيا لجامعة الدول العربية، بل أصبحت عبئا على الأنظمة التقليدية"
الصهيوني على غزة، وكان أن عمدت بعض الأنظمة، وتحديدا السعودية والنظام المصري، إلى التشكيك في شرعية انعقاد القمة، ورفض الحضور فيها، مع أن المفروض أن تحتل تطورات الوضع الفلسطيني أهمية خاصة في مجريات القمم العربية، لكن ما جرى أن المحور الذي يضم السعودية والنظام المصري، ولاحقا دولة الإمارات، أصبح يحدد أولويات العمل العربي المشترك، حسب مؤامراته وصراعاته ضد جيرانه من الدول العربية الأخرى.
لم تكن قمة مكة أخيرا لتخرج عن السياق العام لطريقة تفكير الأنظمة العربية، ونمط تقديرها للمصلحة العربية. وإذا كان من المعقول أن تجتمع الدول العربية لبحث أي تهديد يلحق إحدى دولها الأعضاء، فإن إثارة ملف التهديدات الإيرانية في الظرف الحالي لا تعني أن الأنظمة الداعية إلى هذه القمة الفلكلورية تدرك فعلا معنى المصلحة العربية المشتركة، فهذه الأنظمة التي تدخلت في ليبيا لدعم تمرّد عسكري ضد الحكومة الشرعية، ودعمت انقلاباتٍ في دول مختلفة، وتآمرت على الثورات الشعبية، ودبّرت حصارا ظالما ضد دولةٍ عضوٍ في الجامعة، من دون سند من الواقع أو المنطق السياسي، لم تعد تملك ما يكفي من الشرعية، لتتحدث باسم المصالح العربية.
العجيب أن القمة العربية، والتي جاءت في سياق قمتين أخريين في مكة، إنما اندرجت ضمن سياق دولي للتحشيد في إطار صراع أميركي إيراني، غالبا ما يبدأ بالتهديدات العسكرية، وينتهي بتوافقاتٍ تحت الطاولة، ولتبقى هذه الأنظمة خارج الحسابات الدولية، فهي مجرد أدوات يتم استخدامها عند الحاجة، ولا تملك سلطة قراراتها بين يديها فعليا.
ما يجعل القمم العربية تدخل ضمن توصيف الكوميديا السوداء أنها لم تكن يوما ذات تأثير في حياة الشعوب، ولم تفلح في حل النزاعات بين دولها الأعضاء، بل وتحولت، في نهاية المطاف، إلى كيان شكلي، يتم توظيفه لتمرير حسابات دولية أو إقليمية هي قطعا آخر ما يهم شعوب المنطقة. ومن الناحية العملية، وفي ظل الحرب السعودية الإماراتية على اليمن، والحصار الرباعي لقطر، وسعي هذه الأنظمة نفسها المتحالفة لتمرير صفقة القرن الأميركية، فمن الممكن القول إن جامعة الدول العربية قد ماتت فعليا، ولم يبق منها إلا اسمها، ومن قراراتها إلا رسمها. وتتطلع شعوب المنطقة بعد ربيعها إلى إيجاد أدوات جديدة تحقق فعلا مصالحها، بعيدا عن وهم الأنظمة المزيفة، وقممها الساخرة التي تعبر عن كوميديا سوداء.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل