نصيبنا من التحالف الروسي الصيني

نصيبنا من التحالف الروسي الصيني
نصيبنا من التحالف الروسي الصيني

اكتست زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، موسكو الأسبوع الماضي، بمناسبة الذكرى السبعين لإنشاء علاقات دبلوماسية بين البلدين، والتي تصادف أيضا انتصار الثورة الشيوعية في الصين عام 1949 اهتماما كبيرا في الأوساط الغربية. وللمرة الأولى، بدأ مشكّكون يقرّون بإمكانية تجاوز القوتين الكبريين في آسيا حالة عدم الثقة التي طبعت علاقاتهما، منذ الشقاق الكبير بين ماو تسي تونغ وخروتشوف في خمسينيات القرن الماضي. وكان مدير المخابرات الوطنية الأميركية، دان كوتس، أشار، في شهادة أمام الكونغرس، في فبراير/ شباط الماضي، إلى جدّية التقارب الصيني – الروسي، وتوجهه نحو تحالف استراتيجي، يهدف إلى "تحدّي القيادة الأميركية".
حتى وقت قريب، كان الرهان في الغرب، وخصوصا في الولايات المتحدة، يدور حول صعوبة نشوء تحالفٍ كهذا لأسبابٍ عديدة، أبرزها: القلق الروسي من الصعود السريع للصين على حسابها، فالصين تسير بثباتٍ لتصبح قوة اقتصادية وصناعية عظمى، بعكس روسيا التي ما زالت تعتمد على الريع المتأتي من تصدير النفط والغاز. وفيما تتقدّم الصين في بعض المجالات تكنولوجياً على الولايات المتحدة، كما يتضح في المعركة الدائرة بشأن إنشاء شبكات الجيل الخامس وشركة هواوي، تبقى روسيا متخلفةً في هذا المضمار. فوق ذلك، وعلى الرغم من أنها ما زالت تتفوّق لجهة قدراتها العسكرية، إلا أن روسيا تبقى قزما اقتصاديا، مقارنة بالصين التي يبلغ حجم اقتصادها تسعة أضعاف حجم الاقتصاد الروسي تقريبا (1,6 تريليون دولار لروسيا مقابل 13,5 تريليون دولار للصين). ويسري الفارق الكبير في حجم الاقتصاد بين البلدين على إنفاقهما العسكري، إذ تأتي الصين في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، بحجم إنفاق بلغ العام الفائت 250 مليار دولار، بحسب التقرير الصادر أخيرا عن معهد استوكهولم لدراسات السلام، في حين لا يتجاوز الإنفاق العسكري الروسي ربع هذا المبلغ (61,4 مليار دولار).
وتتخوّف روسيا أيضا من الثقل السكاني الكبير للصين (1,4 مليار من البشر) في الوقت الذي يتناقص فيه عدد سكانها (انخفض من 163 مليون نسمة عشيّة تفكّك الاتحاد السوفييتي عام 1991 إلى نحو 145 مليونا اليوم)، ومن غزو سكاني صيني لسيبيريا (إحدى أقل مناطق العالم كثافة بالسكان). وتشعر روسيا بالقلق، فوق ذلك، من تنامي الدور الصيني في جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة، والتي أخذت تحتل حيزا كبيرا من اهتمام بكين في إطار "مبادرة الحزام والطريق"، والتي تعدها الصين طريقها للوصول إلى العالمية.
لكن كل هذه التخوفات والشكوك الروسية تجاه الصين لم تمنع حصول تقاربٍ كبير في الرؤى الاستراتيجية للبلدين، قوامه العداء للقيم الليبرالية، خصوصا في بعديها، الإنساني -الحضاري والسياسي - الفكري. ومنذ عام 2014 (أزمة أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم)، بدأت موسكو انعطافة استراتيجية نحو الشرق، زادها قوةً فشل الرهان الروسي على الرئيس ترامب في تحقيق اختراق استراتيجي في العلاقة مع واشنطن. طبعا السمة الأساسية للتحالف الجديد الذي يرجّح أن يصمد في المدى المنظور، تتمثل في أن موسكو، بخلاف فترة الحرب الباردة، تلعب دور الشريك الأصغر لبكين، نظرا للفجوة المتزايدة في الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية للطرفين.
ويبدو أن الغرب، والولايات المتحدة خصوصا، الأكثر اهتماما بالتحالف الناشئ وتداعياته على مكانتها وقيمها ومصالحها الدولية، إلا أن المنطقة العربية تتأثر به بعمق أيضاً. وقد لوحظ، في السنوات الأخيرة، تنامي الروابط بين نظم الحكم العربية المختلفة، بما فيها الخليجية، وقطبي التحالف الناشئ في آسيا، ليس فقط على صعيد المصالح، بل، وهو الأهم، على صعيد الأفكار والقيم وطرائق الحكم والإدارة. فأنظمة الحكم العربية تجد تفهمًا أكبر في موسكو وبكين مما تجده في عواصم الغرب، لجهة الانتهاكات التي ترتكبها في مجال حقوق الإنسان وقمع الحريات وطرائق إدارتها شؤون الدولة والمجتمع. فالصين التي أحيت قبل أيام الذكرى الثلاثين لمجزرة ميدان تيانن منه، حيث سحلت الدبابات جثث الطلبة، لا تجد صعوبةً في تفهم موجبات استخدام العنف في فض الاعتصامات السلمية في ميادين القاهرة والخرطوم، كما لا تجد روسيا مشكلة في المشاركة في تدمير إدلب فوق رؤوس ساكنيها، كما فعلت في غروزني قبل 20 عامًا. هذه التقاطعات والتوافقات تلعب دورا رئيسا في تعزيز الروابط بين أعضاء نادي "الطغاة".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل