إدلب امتحان الضامن التركي

إدلب امتحان الضامن التركي
إدلب امتحان الضامن التركي

تواجه تركيا اليوم سؤالا صعبا، يتعلق بموقفها من هجوم النظام السوري باتجاه محافظة إدلب، التي لا تزال أجزاء واسعة منها تعيش تحت مظلة اتفاق خفض التصعيد، والذي وقّعته تركيا وإيران وروسيا قبل عامين. ومنذ الأسابيع الأولى، لم تحترم روسيا الاتفاق، وخرجت من خانة الطرف الضامن. أما إيران فلم تكن مؤهلةً لتكون طرفا ضامنا، ولم يصدّق أحد، من السوريين وغير السوريين، أنها سوف تغير مواقفها في رعاية النظام، والدفاع عنه عسكريا وسياسيا.
وقبل أن يصل التهديد الروسي إلى إدلب اليوم، قضمت روسيا وإيران مناطق خفض التصعيد، واحدةً تلو الأخرى، بدءا من ريف حمص، وبعد ذلك غوطة دمشق ومحيطها، ومن ثم الجنوب في محافظة درعا، وأدّى ذلك إلى نزوح كبير من المناطق الثلاث من الرافضين للمصالحات مع النظام. وجرت العملية وفق اتفاقات وتفاهمات بين الأطراف الثلاثة الضامنة. وبناء على ذلك، تحولت إدلب إلى ملاذٍ أخيرٍ لقرابة ثلاثة ملايين، بمن فيهم السكان الأصليون، والذين لم تعد لديهم خيارات أو جهات نزوح يهربون إليها من حملة القتل والتهجير التي يشنّها الروس والنظام منذ ثلاثة أسابيع، وأدت إلى وضع مأساوي على الصعيد الإنساني الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه "منعطف جديد للصراع". وقالت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، روز ماري ديارلو، في إفادة أمام مجلس الأمن، يوم الجمعة الماضي "إذا استمر التصعيد والهجوم الذي نراه حاليا، سنواجه تداعياتٍ كارثيةً تهدد السلم والأمن الدوليين".
وفي كل يوم يمر، تشتد الأزمة تعقيدا، في بعديْها، الإنساني والسياسي، وتلقي بثقلها على تركيا قبل غيرها، لعدة أسباب: الأول جيوسياسي، فهذه المنطقة ضمن دائرة التأثير التركي المباشر، وليست بعيدة جغرافيا، مثل الغوطة أو الجنوب، كما أن علاقاتٍ واسعةً تربط تركيا مع أهلها. والثاني أن تركيا ضامنةٌ راهن السوريون على دورها وقدرتها على فرض رأيها، ومنع روسيا من أن تنفذ مخططات القتل والتهجير. والسبب الثالث أن غالبية الفصائل العسكرية في هذه المناطق على صلة وثيقة بتركيا، وتعوّل على دعمها العسكري في المعركة الحالية تحديدا.
وفي واقع الأمر، تصرفت تركيا بما يساعد هذه الفصائل على مواجهة مخطط الاجتياح الشامل للنظام الذي كان يريد الوصول إلى عمق إدلب. وتفيد معلوماتٌ من الفصائل في الميدان بأنها سمحت بانتقال أسلحةٍ نوعيةٍ مضادة للدروع من بعض المناطق التي تقع في نفوذها إلى ساحات المعارك، وهذا ساعد على صد الهجوم. والواضح أنّ المعارضة السورية المسلحة تعتبر هذه المعركة مصيرية، ولذا تضع ثقلها العسكري فيها، كي لا يتكرّر سيناريو أحياء حلب الشرقية أواخر عام 2016، وسيناريو الغوطة الشرقية بداية عام 2018، حيث فقدت المعارضة السورية مواقعها. وتعدّ محافظة إدلب المعقل البارز للمعارضة السورية، وفي حال خسرته، لا يبقى لها إلا ريف حلب الشمالي والشمالي الغربي الذي يعتبر منطقة نفوذ تركي بلا منازع. وما كانت المعارضة السورية المسلحة قادرةً على رفد جبهات إدلب بالمقاتلين والسلاح، لولا الضوء الأخضر من أنقرة التي تدرك أن النظام يسعى إلى التوغّل أكثر في عمق محافظة إدلب.
ولكن المسألة لا تقف هنا، إذا أخذنا في الاعتبار السلوك الروسي القائم على الكذب والابتزاز، الأمر الذي يتطلّب موقفا تركيا نوعيا في هذه المرة، يقدّم ضمانات للمدنيين في المقام الأول، توقف مسيرة التهجير، وهذه مهمة عاجلة لا تقبل التأجيل، لأن أكثر من ربع مليون نازح من الهاربين من المعارك الحالية يعيشون في البراري. وهناك حوالي ثلاثة ملايين في إدلب وحدها ينتظرون ما ستسفر عنه الجولة الراهنة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق هل يجعل حزب الله اللبنانيين كشقيِّ البراجم؟
التالى إيقاع المواجهة العسكرية الإقليمية بين إيران وإسرائيل