عن حادثة الاعتداء على روان

عن حادثة الاعتداء على روان
عن حادثة الاعتداء على روان

كنت أعتقد أن الدنيا سوف تنقلب رأساً على عقب؛ لأن أمي دخلت في غيبوبةٍ تستوجب نقلها إلى قسم العناية المركزة في أحد المستشفيات الحكومية. تحولتُ إلى قطّة شرسةٍ، وأنا أصرخ بكل من يمر بي من طاقم الأطباء والطبيبات والممرّضين والممرّضات، لكي أستحثهم على إدخالها هذا القسم على وجه السرعة، واستغربت من البرود الذي قوبلت به، ورأيت الجميع حولي يتعامل بآليةٍ، ولم تكن هناك دموعٌ متحجّرة في عيون من حولي. كانت فقط دموعي ودموع أبي، لأن المرأة الممدّدة بلا حراك أو وعي هي الأقرب إلينا، لا تهمّ من حولها، ولكنهم يتعاملون في نطاق المتوفر والمسموح.
بعد سنوات طويلة، قرأت اعترافاً لطبيب بأن قلبه قد مات، بسبب كثرة ما رأى من حوادث موت في المستشفى التي عمل فيها طبيباً في قسم الطوارئ. وعاتبت الطبيب الذي كان يجري عملية إنعاش القلب لأبي، إذ تربطني به صداقة، لأني لم أكن أرى على وجهه سوى تعبيراتٍ باردة، فردّ ضاحكاً: هذا عملي الذي أمارسه كل يوم عشرات المرات. هناك قلوب تنجو وتعاود العمل، وهناك قلوبٌ تستسلم وتنتهي حياة أصحابها، وأنا أقوم بواجبي، وأتوقع النتيجتين. انزويت بالتفكير جانبا، وأنا أمضغ حزني أمام تجربتين، هما الأسوأ في حياتي على الإطلاق، وإن اختلفت التفاصيل، ولكن الظروف العامة واحدة، وهي وفاة شخص عزيز في مستشفى حكومي. وتوقفت عند مسمى مستشفى حكومي طويلا، واكتشفت، مع تجارب مرضى كثيرين، أن المستشفى الحكومي يعني أطباء ذوي خبرة وكفاءة أمام إمكانات محدودة، عكس المستشفيات الخاصة، ما لم تنتدب أطباء أكْفاء للحالات الصعبة، وبناء على طلبهم. ولذلك، عندما قرأت عن حادثة الطبيبة الأردنية، روان سامي، وما تعرّضت له من أذى جسدي ونفسي، في أثناء عملها في مشفى حكومي في الأردن، أيقنت تماما أن هذه الإنسانة قد تحمّلت فوق طاقتها، وأنها حاولت أن تعطي كل ما لديها، ولكنها اصطدمت بالواقع، ولم يعذرها المرضى، ولا ذووهم، وهم يرون أن الطبيب هو المصباح السحري الذي سيحقق كل ما يلزم المريض، وبمجرد كبسات زر.
الطبيبة الشابة التي كتبت رسالةً مؤلمةً تدمي القلب عما تعرّضت له على يد أحد المرافقين لمريضٍ لم يجد له سريرا في غرفة العناية المركزة، ولم تكن بحاجة لشرح معاناة طبيبةٍ شابةٍ تتحدر من عائلة متوسطة، فكلنا أبناء هذه الطبقة، ولدينا أولاد، ونعرف كيف علّمناهم وألحقناهم بكليات القمة، على الرغم من تكاليفها الباهظة، على حساب راحتنا، وقتّرنا على أنفسنا، حتى وصل الابن أو الابنة إلى مرحلة لفّ سماعة الفحص حول عنقه، والمرور بين أسرة المرضى.
استنكار ما حدث لهذه الطبيبة لا يعني أن نقف للدفاع عن الأطباء ضد المرضى وذويهم، ولا أن نقف للدفاع عن المرضى الذين يكونون في حالةٍ يُرثى لها، وينقلون وضعهم الصحي والنفسي إلى المرافقين، فيضجّ المكان بشحناتٍ سلبيةٍ وبكراهيةٍ للمسؤولين، بدءاً من مدير المستشفى في مكتبه، وانتهاءً بعامل النظافة الذي يراقب العراك والتلاسن عن بعد، ولكننا يجب أن نكون على ثقةٍ بأن الساحة الطبية في أي بلد ليست سوية، ولا سليمة من أطباء شوّهوا سمعة المهنة المقدسة. ولكن ذلك لا يعني أن يأخذ أهل المريض حقهم بأيديهم، فالمستشفيات عموما أماكن للراحة، وهي ممتلكاتٌ عامةٌ. وضرب الأطباء وتهشيم الأدوات والأثاث لا يضرّان إلا بالمرضى، فالطبيب الذي تعرّض للضرب لن يصبح أفضل حالا بتعامله مع المرضى، وهو يُمتهن ويُهان، حتى لو كان مقصرا. والمستشفى الحكومي البائس يحتاج ميزانية تدخل من باب المعجزات لإصلاح التلف والضرر الناتجَين من معارك يومية، تشهدها أقسام الطوارئ خصوصا، وكذلك قسم العناية المركّزة الذي يرى فيه أهل المرضى الخلاص الأخير، فيما لا يصنع هذا القسم شيئا لمريضٍ وصل إلى المستشفى في أنفاسه الأخيرة، وتأخر أهله في نقله، على أمل أن يتحسّن مع كوب الميرمية الساخن، أو عصير الليمون البارد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ماذا وراء القمم؟
التالى "القضاء" ليس قدراً!