هدى بركات وهوس العشّاق

هدى بركات وهوس العشّاق
هدى بركات وهوس العشّاق

أرى أمامي في المقهى رجلا جالسا على كرسيّ خشبي، فأسترسل في صناعة الخشب، وإنْ كان كرسي الرجل قبالتي بلاستيكيا... العالم قد بات مهووسا بالحرب، والكاتب لا يتقن أي حرب، بل هو العاجز، والعاجز لديه هوسُه، ولا يملك إلا الحكاية، التعب هناك يتربّص بالوطن من المهجر، والمهجر قد فسد بالمخبرين أيضا، فالمرأة المهووسة بالحب يُشاغلها عصفور، والرجل الهارب يطارده مخبر، والخراب قد لحق، وأخذ طريقه إلى المهجر أيضا، فكيف يتعايش الناس مع الحب بهوسه الكامن فيه، وهو يكفي ويزيد؟ هدى بركات لا تحكي أبدا حكاية بوليسية، ولا تلجأ إلى حيلة أو حبكة روائية، بل هي تحكي هوس العالم على طريقتها. هي تتساءل: لماذا صوّت الشعب ضد يسوع؟ هي لا تناقش الصَّلب، ولا تناقش الدين، هي تتهيّب الحكمة دائما، وتبتعد عنها، هي ترى المهجر بعين اللائمة والاختيار أيضا والمتأمل.
الأب هو الابن، وهو العاشق المطارد. رواية تحوم فقط حول البوليسية من دون أن تكون بوليسية، رواية تحوم حول المحارم من دون أن تكون رواية محارم. إنه الفراغ سيد الخيال والمعاني. كما تقول. فراغ العالم، وفراغ المعنى، وفراغ السند الحقيقي، أي سند، حتى العمل نفسه لا يمثل أي سند... عملت عند ذلك العسكري الانقلابي الذي فتح جريدة ليعلّم الخليقة أصول الديمقراطية. رواية تستند إلى تيمة الحب، كي تقول العالم، الحب كفكرة، فكرة حتى للقتل بالمعنى الفرويدي، أو حتى فكرة للأكل كما تقول: ...إذ من يقاوم امرأةً تقبل فمًا يفحّ برائحة الثوم. ترضى بروائح الرجل الكريهة، وتغسل ملابسه الداخلية أو جواربه النتنة بسعادة. من يقاوم أمًّا يعرف تماما أنها تريد أن تأكله.. كنت قد قرأت في أحد الكتب كيف تأكل الأمهات أبناءها الذكور من شدة التعلق.
هل هي رواية الفضول والمتابعة، ذلك الرجل الفضولي الذي يقف طويلا في الشرفة، ويتابع الآخر من وراء الزجاج، هل هي رواية المطارات والأحزان، أم رواية الحروب التي بلا معنى في بلادنا، والثورات التي يتم قتلها على عجل؟ أم رواية الأم التي تريد أن تختصر العالم كله في ابن وأب وعشيق؟
المرأة تصنع وتأكل صنيعها حبا، والرجل يدمر العالم غيرةً وقسوةً وفقرا وتديّنا وعنفا وقتلا أيضا. المرأة مخلصة لأحلامها، وشريكة في الحب والقتل والرسائل، هذا إن وصلت الرسائل لمن يعنيه الأمر ثم تحرّك. وكأن العالم يشاهدنا ويضحك، وكأننا صرنا كما تقول هدى بركات: ..نشبه الكتب التي نقرأها.. تلك كتابة تبحث عن أسئلة، كتابة لا تشبه الرواية بمعناها البطريركي الشكلي، ولا تبحث عن الجذور والمصائر والعلل الأولى، ولكن هي رواية الحفر وراء تهويمات الذات، وراء العالم والعشق، حتى وإن كان مبتورا أو محكوما عليه بالخراب، رواية تبحث عن خراب الشرق من المهجر، ولا تأخذها النوستالجيا إلى شاطئ الغرق، أو حتى الأمل في العودة. رواية تكتب من داخل أجواء الحب من دون أن تدّعي أنها رواية حب، رواية تنتهك هذا الستار الجميل الذي اسمه الحب، من دون أن تلغيه أو تحوله إلى عبث، رواية تضرب في كل اتجاه من دون أن تحدّد للقارئ جهة ما ينام (عليها) مرتاحا.
رواية الصوتين وأكثر من صوتين، وهي أيضا رواية الصوت الواحد. رواية تقول من دون أن تقصد القول أو تحدد الجهة. رواية مخابرات من دون أن تكون كذلك. رواية لم تفكّ شفرتها، ولم تتساهل في استهلاكها القارئ. لا أقول إنها ممتعة، أو ما إلى ذلك، ولكنها متاهة جميلة محرّكة للعقل، حتى وإن خانتها بعض الحيل المعهودة عند أصحاب الحيل.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أمجد ناصر.. وقناع المحارب
التالى البستنة إسرائيلياً