جورج زريق.. المحروق أصلاً

جورج زريق.. المحروق أصلاً
جورج زريق.. المحروق أصلاً

ليتَه كان ممكنا إبقاءُ هذه الزاوية فارغةَ من أي تعليقٍ أو رثاء. ليته كان ممكنا وضعُ شريطةٍ سوداء في زاويتها، تركها بيضاء وعنونتها فقط باسم الرجل الذي انتشرت صورتُه وحكايتُه البائسة انتشارَ النار في جسده المحتقن بوقود الضنك والقهر. لو كان لي الخيار، لولّيتُ الصمتَ سيّدا أمام مأساةٍ قيل وما زال يقال فيها الكثير، فيما القوّالون المتورّطون جميعا يتنصّلون من كل مسؤولية، ولا يعترفون بخطأ أو بذنب.

ضدّ هؤلاء جميعا، أحرق جورج زريق نفسه، وما أن لفظ المسكينُ رمقه الأخير، حتى تهافتوا لإظهار صدمتهم واستنكارهم، مبدين أسفهم وحزنهم العميق. لقد أقبلوا كثرا لمدّ يد المساعدة، للاستنكار والدعوة إلى ردود فعل ترقى إلى مستوى الحدث، للدعوة إلى "ثورةٍ" محتملة، ضرورية، مجهضة، مستحيلة، كتلك التي أشعلها البوعزيزي في تونس، وفي فتيل الربيع العربي، حين أضرم في نفسه النار.
المسؤولُ السياسيّ لم يُشَلّ لسانُه خجلا، ولم يتوان عن التعليق والشجب والتنديد والاستنكار، عن قطع الوعود بالتكفّل بتعليم ولدي القتيل، والتمنين باستقبال المدارس الرسمية الآلاف من الطلاب الذين قصف ظهورَ أهاليهم استفحالُ الغلاء والفساد والسرقة، إلى ما هنالك من توصيفاتٍ فظيعةٍ أخرى ملازمةٍ للطبقة السياسية في وقد حفظناها عن ظهر قلب، وقد بات السياسيون أنفسهم، أصحاب الأيادي الطوال في منظومة العفن والفساد، يسبقوننا إلى تردادها، وكأنهم منها براء.
والصحافيّ كتب مقالته "الثورية" الطويلة، مستحلفا الضمير الإنساني فينا، مستنهضا هممنا للاعتراض والتظاهر والنزول إلى الشارع، وداعيا إيانا إلى الثورة، لأن الوضع ما عاد يحتمل، ولأننا جميعا، بصفتنا مواطنين لبنانيين، جورج زريق محتملون، سائرون إلى نهاياتنا المأسوية بشكل حتمي. كتب ولم يتذكّر أنه رأس حربة في صحيفة لبنانية يمتلكها حزبٌ يعطّل البلادَ، ويمارس عليها إرهابا، ولا يعنيه إلا أن يكون جنديا طائعا لقوة إقليمية، ويدا تساهم في إحراق البلاد وإفقار العباد. أو في صحيفةٍ لبنانية أخرى هي بوقٌ لحزب طائفي آخر، لا همّ ولا شاغل له سوى الكسب في سباق تقاسم الحصص وتوزيعها على طوائفنا المتمتّعة بحسّ عال.
والمواطن بكى حزنا على جورج، وقد ذاق قهره، وتماهى معه، وأحسّ بذلّه ويأسه وشقائه، هو غير القادر على بلوغ تلك العتبة الكريمة التي تسمح له بعيش حياةٍ لائقةٍ في حدّها الأدنى، وهو الشاهد على حوادث يومية تراوح من قتل الأبناء والانتحار بفعل العجز واليأس، إلى الموت أمام أبواب المستشفيات، لعدم القدرة على إيفاء أباطرة العناية الصحية مستحقاتهم الماليّة، إلى دخول السجن بسبب سرقة رغيف خبز.. هذا البكّاء الندّاب المتظلّم هو نفسه ربيب غيلان الطائفية العمياء، القادر على قتل من ينتقد زعيمه أو يذكّره بسوء الألفاظ، الراكض اللاهث وراء تجديد ولائه لأسياد الاهتراء الأخلاقي والفساد السياسي، عبر انتخابهم وإعادة انتخابهم وتكرار إعادة انتخابهم من جديد.
وأنا، التي تكتبُ الآن استحياءً، إذ لا يجوز أن يذهب فعلُ زريق التراجيدي هباءً، وقد ينطبق عليّ ربما كلّ ما تقدّم، تسكنني صورةُ الطفلة الصغيرة التي تقبّل خدّ والدها الملتحي باسمةً، والسؤال عمّا ستؤول إليه قصتها مع والدها، بل كيف ستنمو معها هذه القصّة، حين سيتراجع المشهد إلى كواليس حياتنا الخلفية، فننسى جورج زريق، وننسى موته، وننسى من وما قتله، لتبقى الطفلة مع شعورها بالذنب واعتقادها ربما أن عِلْمها هو ما أودى بحياة والدها.
أجل، لقد عاش جورج زريق بطالةً، ضغطا، عوزا، قلة حيلة ويأسا؛ لقد عاش تحقيرا، قهرا، ضنكا، شدّة، عجزا، أدّت إلى احتراقه من الداخل، قبل أن تلتهم ألسنة النار جسده. لكنّ أحدا لم يدرك أن مشهد إحراق نفسه أمام باحة مدرسة ابنته، هو المحروق أصلا، كان بصقة قرفٍ وعيافٍ رماها في وجوهنا جميعا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق استعادة.. صدمة إسرائيل في 25 يناير
التالى رسائل مباراتي قطر مع السعودية والإمارات